المغاربة والبحر، خلال القرن 16 “الجزأ الثاني”

0

يشكل هذا الموضوع أهمية خاصة و ذلك بالنظر الى الامكانيات التي يوفرها في فهم أسباب التفاوت الذي اخذ في الاستفحال بين شمال و جنوب البحر الأبيض المتوسط منذ القرن التالت عشر للميلاد. كما يمثل المجال البحري خلال القرن السادس عشر مؤشرا واقعيا لملامسة التحولات الاجتماعية و الاقتصادية و التقنية و السياسية التي تشهدها الشعوب الرائدة في هذا المجال، فما هي علاقة المغاربة بالبحر خلال  هذا القرن؟ و هل نتوفر على المادة العلمية الكافية لمقاربة هذه العلاقة؟

محمد مهناوي*

بالرغم من إعجابي الشديد بمساهمة الاستاد بوشرب،  فقد لاحظت أنها لا تختلف في العمق عن طرح أولئك الذين تحدثوا عن تملك السعديين لأسطول حربي، إذ تشترك معهم في الدفاع عن الدولة و تبرير كبواتها . فالجميع يتحدث عن قيام الدولة  بواجبها، إلا أن الحواجز كانت أقوى منها . فحسب نظري يعتبر هدا الطرح مجانبا للصواب، وذلك بفعل مجموعة من الهفوات المنهجية التي تأسس عليها ، منها :

  • 1- المادة العلمية المعتمدة :

من المعلوم أن قلة المادة العلمية تدفع بالباحث إلى التساهل أكثر ما يمكن مع الإشارات التي يصادفها، فيحتضنها دون أن يمارس النقد عليها.

لقد تم الاعتماد في التأكيد على مجهودات محمد الشيخ في إنشاء أسطول حربي، على تقارير منشورة بالسلسلة الوثائقية الغميسة، حول تاريخ المغرب نقلا عن الأرشيف الإسباني و الأرشيف البرتغالي . و معلوم ايضا، أن المصادر  الايبيرية بما فيها التقارير التي كانت ترفع الى الملك الاسباني أو البرتغالي  انطلاقا من المراكز المغربية المحتلة خلال وصول محمد الشيخ  إلى مكناس ، كانت تعمد الى تمويل الموقف، و المبالغة فيما يجري بداخل المغرب، و ذلك حتى تتلقى هذه المراكز الدعم العسكري الكافي ترقبا لأي مواجهة محتملة، أو لتبرير وجهة نظر داعية لإخلاء مركز ما، و إلا كيف نجاري وثيقة تتحدث عن استعداد محمد الشيخ لإنتاج مراكب بمدينة فاس، ونقلها عبر نهر سبو إلى المعمورة ” المهدية”؟  لماذا إذن لم نجد بمصادرنا أي إشارة لهذا الاهتمام المتزايد الذي أولاه محمد الشيخ للأسطول الحربي ؟

إن الإشارة الوحيدة التي نقرأها عند اليفراني، تتحدث عن اختطاط محمد الشيخ لمرسى أكادير بالسوس الأقصى، بعد إجلاء النصاري عن المدينة، و كان الغرض من العمل معروفا،  لا يتجاوز جلب أنظار التجار الأحانب لهذا الميناء.  إن الذي يعلم أهمية البحر، لا يمكن أن يتخذ من القوارب و الحوت سبة،  فمحمد الشيخ هو الذي كان ينعت استهزاء السلطان العثماني بأمير القوارب،  كما في رواية المجهول او “سلطان الحواتة”، حسب رواية اليفراني. و هو كذلك الذي كان يحتقر الفرقة التركية التي كانت في خدمته، فكان يدعو أفرادها بالحواتة.

يبدو أن النص الشهير  الذي نقرأه بمناهل الصفا حول ظهائر انتقال قيادة الأسطول من الرايس ابراهيم الشط الى الرايس شعبان،  لا يخرج عن نطاق تعداد الفشتالي لعظمة الدولة المنصورية . فحتى لو سايرنا مضمون النص ، فقد جاء إهتمام المنصور بالبحر متأخرا، أي انطلاقا من سنة 1596 م . و معلوما أن هذا التاريخ كان يشهد  بداية انتشار وباء الطاعون الذي اهلك العباد و البلاد . كما أن لم نجد لهذا الأسطول أي صدا على ارض الواقع .

أعتقد أن الأمر لا يتجاوز بقايا ما ورثه المنصور من مراكب عن عهد أخيه عبد المالك . و في هدا السياق أتساءل عن الأسباب التي حالت دون استحضار البحوث السابقة لإشارة المجهول في ما يخص علاقة السلطان عبد المالك السعدي بالبحر ، فقد ركز صاحب تاريخ الدولة السعدية الدرعية التكمادارتية على التحول الخطير الذي شهده المغرب في المدة القصيرة، التي قادها عبد المالك في الحكم ( 1578_ 75) ، حيث ” أمر بإنشاء السفن بالعرائش و سلا ، و صار أهل الأندلس يسافرون في البحر مع أهل المغرب و ضيقوا بالنصارى ” . و أثناء سرد قصة استسراخ محمد المتوكل بالنصارى  ، كشف المجهول عن غياب البحر في سياسة الذين تعاقبوا عن الحكم قبل عبد المالك ، فقال على لسان النصارى :” و كان للنصارى عند وصوله إليه تدبير عظيم على مولاي عبد المالك، فقال بعضهم لبعض أن هذا السلطان رأى مملكة الترك و رأى منافع البحر ، فأول ما أمر به إنشاء السفن ، و اذا كملت له العمارة يقطع إلى بلادنا مع أهل الأندلس.  و هم أقرب إلينا من غيرهم.  فقي الرأي و لا يشتغل إلا بنا لا محالة و نحن ندبر على ملكنا قبل أن يصح سلطانه و يتمكن أمره .  و أول التدبير عندنا أن تخرجوا و تتمكنوا بالسواحل و تحتووا عليها و تقاتلوه في بلاده و أرضه …” و لم يرى المولى محمد المتوكل مانعا في تنازل للبرتغال عن الموانئ المغربية، مقابل إرجاعه الى الحكم . كما ان والده عبد الله الغالب لم يجد هو الآخر حرجا ، حسب رواية المجهول ، في إخلاء حجرة بادس ليسيطر عليها الإسبان ، وتنقطع  بالتالي مادة الترك من مرسى بادس.

  • 2- الخلط بين نشاط القرصنة والأسطول الحربي للدولة:

 رغم الحصار الإبيري  واحتلال أغلب الموانئ،  فقد كان نشاط القرصنة بالسواحل المغربية في تزايد مستمر طيلة النصف الأول من القرن السادس عشر . ففي بادس مثلا كانت ” درار صغيرة تصنع فيها الزوارق والسفن الشراعية وبعض المراكب”. وكان سكان هذه المدينة المتوسطية يقول الوزان ” يذهبون في زوارقهم لنهب السواحل النصرانية” . ويتحدث مارمول عن أهمية نشاط القرصنة بالسواحل المغربية الشمالية إنطلاقا من تطوان والعرائش.

ونقرأ عند داميودو كويش ولويس دوسوز عدة إشارات تبرز الضربات التي كان يلحقها قراصنة العرائش وتطوان وبادس بالسواحل الأندلسية ومنطقة الغرب البرتغالية، خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن السادس عشر، كما أشارا إلى الأصل التركي لقسم من هؤلاء القراصنة ، وانتماء الباقي للمغرب.

وأجمعت كل الروايات على الهمية التي كانت لسلا على نشاط القراصنة خلال النصف الأول من القرن السادس عشر. وقد أكدت محاضر محاكم التفتيش التي أطلع عليها الأستاذ بوشرب هذه الرواية ، وأرجعت إحدى الشهادات بها انتماء القراصنة إلى مختلف المدن المغربية ، بما فيها الداخلية .

وعليه، كان من المفروض بعد تصاعد نفوذ الدولة السعدية ، وتحكمها في كل جهات المغرب ، وتراجع حدة الحصار الإيبيري، أن يتزايد حجم نشاط الجهاد البحري. ولكن العكس هو الذي حصل ، فقد لاحظنا من خلال المصادر الأجنبية والمحلية تراجعا كبيرا لنشاط القرصنة البحرية بمغرب النصف الثاني من القرن السادس عشر ، واقتصرت الإشارات النادرة جدا على ذكر بعض الأخبار المتعلقة بقراصنة أجانب. فهذا ميناء أكادير زمن عبد الله الغالب ، حسب رواية مارمول، أصبح يضر بالسفن البرتغالية ، وذلك “لأنهم يتعرضون أثناء مرورهم به لهجوم عدد من السفن الفرنسية والإنجليزية التي تكمن في هذا الميناء ، وتزود هؤلاء المسلمين بالأسلحة والمدفعية والعدد”

وكانت بقايا بعض أعمال القرصنة المنطلقة من العرائش وسلا من تدبير قراصنة أتراك واندلسيين . إن هذه الظاهرة يمكن تفسيرها من خلال زاويتين:

أولا: كانت الدولة السعدية في أمس الحاجة ماديا وعسكريا للتجار الأجانب . ولهذا كانت تجتهد كثيرا في خلق  جميع الظروف الملائمة لإغراء هؤلاء التجار حتى يقبلوا على الموانئ المغربية ، ويتوافدوا عليها بكثرة. وبالطبع كان إقرار الأمن وتعطيل نشاط القرصنة البحرية يدخل في هذا السياق ، خصوصا بعد أن وقعت الدولة إتفاقيات تجارية مع ممثل بعض الدول الأوربية .

ثانيا : لنفترض أن أحد السلاطين أراد تبني نشاط القرصنة ، وحمل الدولة للإشراف عليه ، فالنتيجة ستكون عكسية ، إذ أن طبيعة النشاط البحري ومخاطره، تقتضي تعاملا خاصا معه ، حيث كان ينفر المشتغلين بالقرصنة البحرية من التحول إلى جنود ضمن العسكرية المخزنية . وبالمقابل ، لم يكن السلطان هو الآخر قادر على المغامرة بالموارد المالية المهمة التي يجنيها من وراء التبادل مع التجار الأجانب ، إلا إذا كانت غنائم القرصنة تقدم بديلا محترما ، ولن تكون كذلك إلا إذا احتكر السلطان موارد القرصنة . وبذلك نخلص إلى تعارض المصالح بين القراصنة والسلطان.

ونعتقد أن الصحوة التي شهدتها القرصنة البحرية بمغرب المولى عبد المالك تعود في أساسها إلى الصراع الذي كان دائرا آنئذ بين السلطان ومحمد المتوكل، والتجاء هذا الآخير إلى النصارى، مما جعل المولى عبد المالك يقدم القضايا العسكرية على المنافع المالية ، فأطلق يد القراصنة وشجعهم، هادفا من ذلك الضغط على نصارى إيبريا وحملهم على عدم مساعدة إبن أخيه .

وعليه وجب أن نميز بين نشاط القرصنة والأسطول الحربي للدولة ، فحتى لو صدقنا الإشارات التي تحدثت عن إنشاء أسطول بحري بسلا والعرائش زمن محمد الشيخ وعبد الله الغالب واحمد المنصور، فقد ظلت وحدات هذا الأسطول جاثمة في مكانها ، ولم نصادف ولو إشارة واحدة تؤكد مشاركة هذا الأسطول في عمل عسكري ، وتكذب ما دهبنا إليه. في حين كان ضعف الدولة وانكماشها بعد موت المنصور مؤشرا حقيقيا لعودة الحيوية من جديد إلى نشاط القرصنة بالموانئ المغربية ، وكان من البديهي أن يتم ذلك بقيادة عناصر أندلسية ، لذلك نعتقد أن كل محاولة تجتهد في الربط بين الدولة والقرصنة، سيقتنع صاحبها في الآخير بأنه يبحث عن علاقة لا تستقيم بين تطور الدولة وتطور القرصنة.

3- إهمال الجانب المجتمعي في علاقة المغاربة بالبحر:

لا يمكن الحديث عن تطور علاقة المغاربة بالبحر في غياب إدماج هؤلاء في المجال البحري ، وإنخراطهم في التطورات التي لحقت بالمنافع التي يوفرها هذا المجال. صحيح ان البحر ظل مهمشا ضمن إهتمامات المجتمع  المغربي ، وكانت علاقة المغاربة بالبحر محدودة حتى في زمن توفر السلطة المركزية على أسطول حربي. وإذا كان سقوط الأندلس بيد النصارى، وما رافقه من غزو وحصار إبيري لسواحل المغرب ، المصاحب بتوقف الإهتمام الرسمي بالبحر ، قد زاد من إبعاد المغاربة عن البحر، فإن كل ذلك لا يمنع من إستحضار الأسلوب الذي أدارت به الدولة السعدية علاقتها بمجالها البحري ، وإنعكاسات ذلك على علاقة المغاربة بالبحر.

يـــــــــتـــــــــــبـــــــــع….

*نشر في “البحر في تاريخ المغرب” منشورات كلية الآداب  والعلوم الإنسانية بالمحمدية سلسلسة الندوات رقم7

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا