النساء البحريات.. وقفة تأمل في ضيافة الثامن من مارس

1

 تعود 8 مارس لتفتح زاوية على الممارسة القطاعية في جانبها النسوي في قطاع الصيد البحري، حيث تبدو لغة المتناقضات حاضرة بقوة، بين ما هو سياسي وإداري وما هو مهني. ففي وقت تتعملق فيه النساء في مديريات مختلفة تقودها المرأة، مالكة بزمام القرار، انطلاقا من المسؤولية السياسية التي  تبرز فيها مباركة بوعيدة على رأس قطاع الصيد ككاتبة دولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات والعالم القروي مكلفة بالصيد البحري، فيما تبرز في الجانب الإداري زكية الدريوش على رأس إدارة الصيد كاتبة عامة للقطاع،  فعلى المستوى المهني والتعاوني لاتزال المرأة تبحث لها عن موقع قدم في مسار القطاع.

فالحضور القوي في صناعة القرار وما يواكبه من حضور كريزماتي  للمرأة على رأس مجموعة من الإدارات الإسترتيجية في قطاع الصيد، كما هو الشأن لصباح الأزرق على رأس مديرية صناعات الصيد البحري وأمينة فكيكي المديرة العامة للمكتب الوطني للصيد، وماجدة معروف على رأس الوكالة الوطنية لتربية الأحياء البحرية ، إلى جانب أخريات متدرجات في مواقع المسؤولية، يعطي الانطباع القوي لمقاربة النوع، في قطاع ظل ينعت إلى عهد قريب بكونه قطاع رجولي بامتياز.

فلا يختلف اثنان على أنه في الجانب المؤسساتي قد اعتمدت الدولة مجموعة من التدابير والإجراءات التي تستهدف تكريس مقاربة النوع، وجعلها أساسية ومحورية ضمن استراتيجيات التخطيط والبرمجة التي تهم مختلف الأنشطة المتعلقة بالقطاع ، حيث وبلغة الأرقام ف 45 في المائة من المسؤولين في مواقع صنع القرار على صعيد الإدارة المركزية لقطاع الصيد البحري، وكذا بمختلف الإدارات والمؤسسات والهيئات التابعة لها أو التي هي تحت وصايتها هن من النساء. 

غير أن هذه المعطيات قد لا تنسجم على مستوى القاعدة المهنية، حيث لازالت المرأة المغربية التي تمثل1ر50 في المائة من ساكنة المملكة الشريفة وفق إفادة المندوبية السامية للتخطيط، برقم 67ر17 مليون امرأة، شريحة واسعة منهن لازالت تتلمس خطواتها في الوسط البحري الميداني ، ولنضع أنفسنا أمام واقع الخريجات على مستوى المعهد العالي للصيد البحري بأكادير، فالرقم الإجمالي لعدد الخريجات يبقى محدودا سنة 2018 ، إذ  لم يتجاوز عددهن 11 خريجة، سبعة  منهن استطعن الاندماج في سوق الشغل، فيما أربعة اخترن مواصلة مسارهن في التكوين العالي “الماستر”، في حين  تبقى الوضعية غير واضحة لخريجيتن . 

وحسب التخصصات فتشير المعطيات الرسمية للمعهد، أن سبعة خريجات هن متخصصات في صناعات وتثمين الصيد،   اثنان منهن قد ولجتا بالفعل سوق الشغل في تخصصهن على مستوى وحدات التصبير بأكادير، فيما اختارت أربعة خريجات متابعة دراستهن العليا على مستوى الماستر،  لتبقى بذلك وضعية خريجة واحدة غير واضحة . أما التخصص الثاني الذي يحضى بحضور الجنس اللطيف، فيهم شعبة الصيد إذ هناك ثلاثة  خريجات، واحدة منهن تشتغل على متن باخرة متخصصة في صيد الكروفيت، وأخرى على متن باخرة صيد روسية، فيما التحقت الثالثة بسلك الوظيفة العمومية. أما شعبة الميكانيك  المعروفة بأهميتها وصعوبة مسالكها التقنية ، فقد عرفت تخرج فتاة واحدة، لا تزال تنتظر فرصتها في سوق الشغل.

و رغم أهمية هذه المعطيات فانها لا تمنعنا من القول من أن عددا من الخريجات الحاصلات على شواهد التخرج سواء من المعهد العالي للصيد البحري، وكذا معاهد التأهيل البحري منذ سنوات، خصوصا على مستوى شعبتي الصيد والميكانيك ،  لا يجدن لشواهدهن مقاربة على مستوى صناعة  القرار فوق مراكب الصيد ، حيث لم نسمع على امرأة تتولي اليوم مهمة ربان على مستوى المركب أو تتولى مهمة الميكانيكي الأول، سواء تعلق الأمر بالصيد الساحلي أو الصيد في أعالي البحار، إذ لازال الحديث رغم أهمية الشهادة المحصلة، وما يرافقها من تكوين عالي للمتخرجة، تسيطر عليها إشكالية النوع والجنس، رغم الكفاءة المعبر عنها من طرف الخريجات، وكذا المجهودات التي راكمتها مجموعة من الشركات، الرامية لضمان حضور المرأة في هذا المجال،  حتى وإن كانت هذه المبادرات تبقى في عمومها محتشمة موازاة مع طموح المرأة في علاقتها بتنشيط القطاع.

وإذا كان هذا مسار المرأة المكونة ، فإن المرأة المتعاونة بدورها تعاني اليوم مشاكل هيكلية، رغم أن القطاع يضم اليوم  وفق تصريحات رسمية 153 تعاونية، من بينها العشرات التي تشرف عليهن نساء، بينما 70 في المائة منها مختلطة بين الرجال والنساء.  في حين هناك تعاونيات أخرى في طور الإنشاء، إلا أن تكوين تعاونية نسوية في منطقة معينة، لازال  يتم تحت رقابة الرجل، وهو ما تؤكده غالبية التعاونيات في القطاع . ونحن نسمع اليوم على مجموعة من التعاونيات النسوية ، خصوصا في المناطق الساحلية القروية،  التي تحارب من طرف رجال بالدوار كما بالمدينة بشكل أخف.  هؤلاء الذين يرفضون استقلالية المرأة في اتخاذ قرارها، واعتمادها على نفسها في فتح أفاق جديدة للعيش. وهو ما يجعل هاته التعاونيات تعاني حربا نفسية داخلية تحد من تطورها،  أبطالها نساء مدفوعات ضد إرادتهن ، من طرف أزواجهن أو معارفهن لعرقلة سير التعاونية. وذلك  رغم النجاحات التي تحققها هذه الأخيرة في إيجاد شراكات، وابتكار مشاريع نوعية مدرة للدخل.

يحدث هذا الأمر في  الصيد البحري، الذي كانت وزارته من بين أولى الإدارات التي اعتمدت تدابير وإجراءات لدعم وتعزيز المساواة بين الجنسين، سواء على مستوى مؤسسات الحكامة، أو على صعيد القطاع المنتج ، بعد أن كانت قد أحدثت منذ عام 2001 بنية إدارية موجهة لتكريس مقاربة النوع، بهدف ضمان اندماج فعال وسلس للنساء في مختلف البرامج والاستراتيجيات،  التي تروم تحسين وتجويد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للنساء المشتغلات في قطاع الصيد البحري لاسيما في المناطق الساحلية القروية .

وعلى سبيل الختم وحتى لا تفوتنا الفرصة اليوم باعتبار المناسبة شرط، في تذكر روح المشمولة برحمته وعفوه السعدية المخفي ، التي فارقت الحياة وهي رمز من رموز كفاح المرأة المغربية في مجال البحر، فهي واحدة من النساء القلائل آللائي  ناضلن من أجل إثبات ذاتهن في قطاع الصيد التقليدي، حتى نالت احترام عموم البحارة بعد ان أجبرتها الظروف على ولوج القطاع، وحصدت اعترافهم بقدرة المرأة على مجاورة شقيقها الرجل في أصعب المهن.

 وعبر المخفي نتذكر نساء أخريات اقتحمن العمل الجمعوي في الصيد التقليدي، ومعهن العشرات من النساء المتعاونات  والفاعلات على مستوى قطاع الصيد، دون إغفال العاملات في قطاع التصبير والتجميد ، هن اللواتي لا يتسع المكان لذكرهن، ما يجعلنا نفتح نافذة القول على أهمية تثمين هذه المبادرات وما يرافقها من اجتهادات لإحاطة المرأة  بالاهتمام اللائق،  وتعزيز قدراتها التنظيمية والمهنية، في أفق الرفع من مستوى قدراتهن السياسية والاقتصادية، وضمان حضور أرائها في صناعة السياسة العمومية في قطاع الصيد، وتخويلها كوطا معينة في الغرف المهنية في القطاع . لكن إلى ذاك الحين فلكل النساء البحريات نقول كل عام وأنتن مكافحات.  

البحرنيوز: رأي كتبه سعيد المنصوري 

تعليق 1

  1. اللهم ان كانت محسنة فزد يارب في احسانها
    شكرا الاخ سعيد على التذكير باسم المرحومة السعدية …..المخفي ……..

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا