كن صهر من شئت واجتهد عملا يغنيك إشعاعه عن النسب ! 

1

 تناسلت الروايات والتأويلات لما أسفرت عنه إنتخابات نصف الولاية بغرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى بأكادير، حيث تعالت الأصوات بالتشكيك في هذه النتائج، وإتهام يد الوزير بتحريك مكونات رقعة الشطرنج لصالح صهره، في تأويلات تبدو بعيدة من زاوية نظرنا عن واقع الحال ومجريات العملية الإنتخابية، التي خلصت نتائجها إلى إجماع الأعضاء على شخص الرئيس الجديد، بمكتب يراهن عليه المهنيون في التعاطي مع تحديات قطاع الصيد بالمنطقة الوسطى.

ونحن نخوض في هذا الموضوع فإننا نتكلم بلسان المتتبع عن قرب لمجريات الإنتخابات بالدائرة البحرية الوسطى وليس من باب الدفاع عن الوزير أو إدارته في صنع هذه النتيجة من عدمه. فمهنيو الصيد بالغرفة الاطلسية الوسطى، يعرفون أن هذه الإنتخابات وعلى غير عادتها، كانت بصناعة مهنية محضة تحركت رحاها قبل شهور، لتفرز توجها زكت فصوله إنتخابات الثالث من شتنبر 2018، كنتيجة لتوافق تلة مهمة من أعضاء الغرفة وتكتلهم في حركة وصفوها ب”التصحيحية” داخل الغرفة المهنية الوسطى. هذه الآخيرة التي ظلت تتخبط في الصراعات الغير معلنة، والتي إرتبطت بشد الحبل بين الأغلبية والمعارضة مند إنطلاق هذه الولاية قبل ثلاث سنوات، ما افقدها كثيرا من بريقها.

ولا يمكننا بأي شكل من الأشكال ونحن نخوض في هذا الموضوع، أن نبخس سرود حقه ومجهوداته منذ تسلم مقاليد الغرفة من ”لحسن بيجديكن” الذي قاد المرحلة التأسيسية منذ سنة 1997، حيث شكلت السنوات التسعة التي قضاها سرود على رأس الغرفة مرحلة إستثنائية، على إعتبار أن هذه الفترة إتسمت بالمد التنظيمي بعد إطلاق برنامج اليوتيس، وتناسل المخططات المرتبطة بتدبير المصايد المختلفة. وهو ما جعل من السنوات الآخيرة ركحا للتصادم المهني أحيانا، وكذا الإذاري مهني أحيانا أخرى.  غير أن مجريات الأحداث وتطوراتها منذ نهاية الولاية السابقة قبل ثلاث سنوات، وبعدها المسار العسير الذي خرج منه المكتب المنتهية ولايته الإثنين الماضي، جعلت مختلف العارفين بخبايا المهنة، قد تنبؤوا حينها بأن المكتب المنتخب، هو لامحالة “من الخيمة خرج مايل”، وإستمراريته في ظل حرب المصالح التي فرضتها الظرفية كما هو الشان لتطورات مصايد الأخطبوط بين الأعالي والصيد الساحلي، بدا أمرا مستبعدا.

وبقراءة بسيطة فإن الحقيقة التي يحاول البعض مداراتها وإنكارها عن المكتب الحالي، بإتهام الصيد في الأعالي بالإستيلاء على الغرفة، هي أن هذا النوع من  الصيد بأغلبيته التي تعادل ازيد من ثلث أعضاء الغرفة الوسطى، ظلت تمثيليته تتحكم في دواليب صناعة المكاتب المسيرة، وحتى لا نخوض كثيرا في هذا التوجه، فإن المراقبين رأوا أن الصيد في أعالي البحار، لأول مرة يتصالح مع ذاته التمثيلية على مستوى الغرفة الوسطى، بتوليه زمام الأمور على رأس مجموعة من المناصب المؤثرة في الغرفة. بل أكثر من ذلك فهناك من إستنتج مع بروز المكتب الحالي، أن التمثيلية جاءت متناغمة مع حجم كل أسطول على مستوى المنطقة البحرية الممتدة على ثلاث موانئ. فالصيد في أعالي البحار حصل على 6 مهمات، والصيد الساحلي أربعة، فيما حاز الصيد التقليدي مهمتين على مستوى الإستشارة. وهي معطيات يبدو أنها جاءت منسجمة مع لغة الإستثمار، بمعنى أنك بقدر  إستثمارك في الحنطة، بقدر تمثيليتك على مستوى صناعة القرار داخل الجهاز التنفيذي للغرفة الأطلسية الوسطى.

ونحن نقرأ هذه النتائج، فلسان الحال يقول بكون مسار المكتب الجديد لن ينفصل عن ماضيه، رغم ما يحاول البعض إذكاءه بين الإخوة الفرقاء، خصوصا أن العملية الانتقالية لم تصنع ضمنيا على مستوى التصويت، أغلبية ومعارضة. وإنما احتكم الجميع للغة الإجماع رغم أن رياح التغيير قد أخرجت أسماء مؤثرة  وبمضض من مواقع إستأنست بها لسنوات. وهو نتاج حتمي للمراحل التي مرت منها صناعة الجهاز التنفيذي الجديد، بإعتباره لم يخلق بين عشية وضحاها، وإنما هو وليد تكتيكات، إنطلقت حلقياتها مند شهور من عمر المكتب القديم. فقد  شاهد المتتبعون كيف إختفى الإنسجام بين مكونات أعضاء المكتب المسير القديم، حتى أن بعضهم إختار الخروج عن النص في مجموعة من المحطات، خصوصا على مستوى دورات مؤثرة، كان أخرها دورة المصادقة على إتفاقية الصيد مع الإتحاد الأوربي، التي تمت في ظل غيابات وازنة، جعلت البعض يروج على إترها لمفهوم “الخيانة”، الشيء الذي جنى على ما تبقى من ود بين بعض مكونات المكتب القديم.

وتنضاف المعطيات المذكورة إلى أخرى، جعلت المتابعين يتحسسون منذ شهور خلت، أن شيء ما يحاك في الكواليس تمهيدا لسحب البساط من تحث أقدام الرئيس، الذي ظل يتجاهل مختلف الإماءات والإيحاءات، ماضيا في فتح جبهات داخلية، تغدت منها المعارضة، التي كانت تتصيد أدق التفاصيل لسحب البساط من عبد الرحمان سرود في منتصف ولايته الثانية.

ومن هذه الجبهات نجد صدامه مع ممثل الصيد التقليدي عبد اللطيق اقتيب، التي ستبلغ دروتها مع إشكالية المستودعات المنجزة في إطار التعاون المغربي الأمريكي، والحنين الذي كان يعبر عنه سرود صراحة بإستحضار عبد الفتاح بلفضيل، والذي ظل حاضرا في علاقة الرئيس بقطاع الصيد التقليدي بالدائرة البحرية لأكادير على حساب العضو المنتخب. الخلاف بين سرود واقتيب سيتطور ليصل في وقت من الأوقات إلى حدود محاولة سرود  نزع جلباب التمثيلية عن أقتيب. وهي خطوة خلقت إحتقانا كبيرا، وجد صداه لدى مختلف ممثلي الصيد التقليدي بالغرفة، لتأخذهم الحمية إلى مناصرة زميلهم، وإعلان تكتلهم مع إقتراب إنتخابات تجديد المكتب، والعزم على التصويت العقابي ضد سرود بضم صوتهم للحركة التصحيحية.

ومما لا شك فيه أن الصيد في أعالي البحار كان الجدار الذي يستند عليه سرود، سيما في أحلك الظروف في ولايته السابقة، غير أن هذا الجدار سينهار، ولن يصمد منه إلا أسماء قد لا تتعدى أربعة أعضاء، بعد مباركة سرود لمخطط منع الصيد في المناطق الصخرية، ما رأى فيه ممثلون عن الصيد في الأعالي ضربا لمصالحهم الخاصة. هذا فيما عملت أطراف أخرى على إستغلال هذه النقطة لتقديم مجموعة من الإستنتاجات، في كون الغرفة لم تعد قادرة على فرض ذاتها، في التعاطي مع قرارات الوزارة الوصية لصالح غرف مجاورة أصبحت بنفوذ قوي، فرضته حركيتها المتواصلة وإجتهادها، مقابل تقهقر الغرفة الأطلسية الوسطى التي ظل أعضاؤها يعيشون على الأطلال. ورغم ان هذا الطرح هو من طبيعة الحال لا ينطبق على شخص الرئيس لوحده، وإنما بحقبة تسيرية بمكوناتها المهنية، تحكمت فيها معطيات داخلية وآخرى خارجية، إلا انها وجدت صداها في أوساط ممثلي الصيد البحري بالمنطقة الوسطى.

إن هذه الجبهات ستنضاف للجبهات الكلاسيكية، المكونة من محور المعارضة، لتتولد القناعة بضرورة الإنصهار داخل الحركة التصحيحية ورفع شعار التغيير باستهداف كرسي الرئاسة. وهو شعار سيتم إطلاقه من شهور مضت، لتنطلق معه اللقاءات التنسيقية والمخططات المحبوكة، منذ آ واخر شهر رمضان الأبرك، مع إستقطاب المزيد من الأسماء، قبل أن يحسم هذا التيار في تقديم أسماء تنافس سرود على الرئاسة. ليستقر الإختيار على جواد الهلالي الذي سيجد معارضة قوية من طرف وزير الفلاحة والصيد البحري عزيز أخنوش. بعد أن شدد الوزير على عدم ترشح صهره لهذه الاستحقاقات.

ضغط الوزير سيستمر لوقت متأخر من الليلة التي تسبق الإنتخابات، من أجل إقناع الأعضاء بتقديم شخص أخر غير الهلالي، لما يمثله هذا الإختيار من إمتداد بين الإسم الأول في وزارة الصيد والغرفة الوسطى. غير أن تيار التغيير قد تمكسك بإختياره، في ظل الإجماع الذي يحضى به الإسم المرشح عند مكونات الغرفة. كما أن مناصري الهلالي رأو في أن تقديم أي إسم آخر، سجالا سيعيد الغرفة إلى دائرة الصراع والتنافس، رغم أن هذا الثيار أصبح يحضى بمساندة تفوق ثلثي أعضاء الغرفة، وهي المساندة التي كانت سببا مباشرا في تراجع عبد الرحمن سرود عن الترشح للرئاسة، بالإضافة لبزوغ إسم الهلالي كمرشح للحركة التصحيحية. ليتم بذلك التصويت وبإجماع الحاضرين على جواد الهلالي الذي تقدم منفردا في سياق سباق الرئاسة، ووضع فوطات في النيابة والحفاظ على عبد الرحيم الهبزة في النيابة الثانية، مع تحريك باقي الأعضاء، وإعطاء الفرصة لوجوه جديدة. هذا  فيما تم رفع الفيتو في وجه بعض الوجوه التي تنتمي للحرس القديم.

ونحن نسرد المعطيات المذكورة والتي إستقيناها من مصادر جد مطلعة، مع تحفظنا على ذكر بعض الأحداث التي ميزت المرحلة. فإننا نبغي التشديد على أن نجاح الرئيس لا يكمن في أدائه، بقدر ما يستمد قوته من فريق عمله، حيث تبرز التشكيلة الجديدة بكونها تتسم بنوع من الكريزماتية وإمتدادها الإستثماري وكذا التمثيلي، إذ لا يكاد ان يخلو وجه ضمن القائمة، إلا وله خبرة تسييرية في قطاع الصيد من باب الممارسة المجالية واليومية. وهي معطيات يرى فيها البعض انها ستكون مفتاحا للمرافعة على المصالح المهنية، إن تم إستثمار المواقع التمثيلية للأعضاء على أحسن وجه.

فلسان الحال يقول بعد إعتدارنا لصاحب المقولة الشهيرة طبعا كُن اِبنَ مَن شِئتَ واِكتَسِب أَدَباً يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ سنقول “كن صهر من شئت وأجتهد عملا يغنيك إشعاعه عن النسب”، والخطاب موجه هنا للرئيس الجديد الذي ليس بالغريب على القطاع بعد أن قضى زهاء الأربعة عقود داخل الحنطة، غير ان قيادة مقاولة تحتاج عادة لنوع من التخطيط والصبر عن الذات، وهو نفسه  ما تحتاجه الغرفة مع شرط المراهنة على روح الفريق، لكونها مصدر إلهام للقائد، وتعطيه جرعات من الحماس التي يجب التفاعل معها بشكل إيجابي، خصوصا في المرحلة القادمة، بما يضمن توحيد الصف ورص الصدع وإعادة الثقة للمكون المهني. هذا الاخير الذي يعول كثيرا على المكتب الجديد لإعادة التوهج  للغرفة الوسطة التي تملك من الإمتداد والقوة ما يشفع لها، لتسيد الساحة البحرية وفق شهادت عدد من الفاعلين القطاعيين، إن هي أحسنت تدبير تشكيلتها وتقييم خطواتها، بما يحصن جسدها من حب الأنا والمصلحة الذاتية الضيقة.

فالعمل كبير إذن ذاك الذي ينتظر الغرفة الأطلسية الوسطى، شأنها شأن باقي الغرف المهنية في قطاع الصيد البحري، حيث الحاجة اليوم إلى إخراج هذه الغرفة من قوقعتها الضيقة، وإنفتاحها على الأخر في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة. ما يجعلنا أمام تحدي حقيقي تنطلق مواجهته بالمرافعة في تحرير أداء الغرف، وجعلها سيدة قرارتها في التعاطي مع شؤون الصيد البحري. لأن المرافقة الإستشارية لم تعد كافية في تدبير شؤون الحنطة، وإنما الوعي المهني أصبح أكثر إلحاحا على تنظيم نفسه بنفسه، الأمر الذي يتطلب مزيدا من الإنفتاح على مكونات بحرية أخرى ظلت تطالب باحقيتها في التمثيلية ضمن الغرف البحرية.

رأي كتبه للبحرنيوز سعيد المنصوري مدير النشر بالموقع 

تعليق 1

  1. تحليل جميل ورصين، وقف عند محطات وأشخاصها،
    رغم التغافل شيءً ما عن مؤامرات ومدبروها منذ ما يزيد عن 3 سنوات. لكن الأيام القادمة ستكشف صدق المعلن وحجم الخفي. فأكادير وغرفة أكادير تضم من المشاكل والمصائب الكثير، فالكل يعلم علم اليقين المتربصين بأكادير وخصوصا ميناء أكادير. والكل يعرف كامل المعرفة التراجع الخطير للأنشطة المرتبطة بالصيد البحري بالمدينة. الكل يتحدث عن حجم التهريب بميناء المدينة، لكن كل طرف يحاول الرمي بالمسؤولية في مرمى الاطراف الأخرى. فلننتظر قليلا و سنعرف كثيرا. ونتمنى ان يكون خيرا.
    موفقين ان شاء الحسيب الرقيب.

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا