أثمنة كازوال الصيد ماضية في التغول وسط مخاوف من فرملة النشاط القطاعي

0
Jorgesys Html test

في ظل استمرار الضغوط التي تفرضها تقلبات أسعار المحروقات على مختلف القطاعات الاقتصادية، عاد قطاع الصيد البحري إلى واجهة النقاش، بعدما سجلت أسعار الوقود الموجه للنشاط زيادات جديدة اختلفت حدتها من ميناء إلى آخر، وهو ما دفع مهنيين وهيئات مهنية إلى دق ناقوس الخطر والتحذير من تداعيات قد تتجاوز حدود كلفة الاستغلال لتطال استمرارية عدد من الوحدات الإنتاجية، وانتظام تموين السوق الوطنية بالمنتجات البحرية.

وتؤكد معطيات وتصريحات متطابقة لفاعلين مهنيين أن الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات، وفي مقدمتها الغازوال، أصبح يشكل أحد أكبر مصادر الضغط على اقتصاديات مراكب الصيد، بعدما تحولت فاتورة الوقود إلى عنصر حاسم في تحديد كلفة الرحلات البحرية ومدى جدواها الاقتصادية. ومع ارتفاع هذه الكلفة إلى مستويات باتت، بحسب المهنيين، تثقل كاهل المقاولات والوحدات العاملة في القطاع، تقلصت هوامش المردودية، وتراجع عدد أيام الإبحار، فيما تلوح في الأفق مخاوف من اضطرار عدد من مراكب الصيد إلى التوقف عن النشاط إذا استمرت الأسعار في مسارها التصاعدي.

وتزداد حساسية الوضع بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لقطاع الصيد البحري، الذي لا يمكن فصل استمرارية نشاطه عن انتظام تموينه بالمحروقات، باعتبارها المدخل الأساسي لتأمين الرحلات البحرية. فكل زيادة في سعر الوقود تنعكس بصورة مباشرة على كلفة الإنتاج، قبل أن تمتد آثارها إلى باقي حلقات سلسلة القيمة، من التفريغ والتسويق والنقل إلى التوزيع، وهو ما يجعل أزمة المحروقات بالنسبة إلى المهنيين قضية مرتبطة بالتوازن الاقتصادي والاجتماعي للقطاع برمته.

وفي هذا السياق، ترى الهيئات المهنية أن استمرار ارتفاع أسعار الغازوال الموجه للصيد البحري، لا يهدد فقط التوازنات المالية للمهنيين، وإنما يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على العرض الموجه إلى السوق الوطنية، خصوصاً إذا اضطرت مجموعة من المراكب إلى تقليص نشاطها أو تعليق رحلاتها. ومن شأن تراجع وتيرة الإبحار أن يؤثر بدوره على حجم المصطادات المعروضة، وعلى مداخيل آلاف الأسر المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالقطاع، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على أسعار المنتجات البحرية وعلى انتظام تزويد الأسواق.

وتأتي هذه التطورات في ظرفية وطنية ودولية لا تزال أسواق الطاقة خلالها عرضة لتقلبات متواصلة، الأمر الذي يجعل قطاع الصيد البحري، بحكم اعتماده الكبير على الوقود، من أكثر الأنشطة الاقتصادية حساسية تجاه تغيرات الأسعار. ويعتبر المهنيون أن خصوصية هذا القطاع تقتضي اعتماد آليات مواكبة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة نشاطه، وموسميته، وحجم التكاليف التي يتحملها، بدل إخضاعه بشكل كامل لتقلبات السوق.

وفي أحدث مؤشر على حجم الضغط الذي يواجهه القطاع، أعلنت مجموعة من الشركات الموزعة للغازوال والبنزين بالموانئ الموجهة لخدمة نشاط الصيد عن زيادات جديدة في أسعار المحروقات، دخلت حيز التنفيذ ابتداء من اليوم الجمعة 2 أكتوبر 2026. وبميناء طرفاية، على سبيل المثال، تم الإعلان عن بلوغ سعر الغازوال الموجه للصيد الساحلي 13550درهماً للطن وبطانطان 13500 درهم ، وفق المعطيات التي تداولها المهنيون، وهو مستوى يثير مخاوف واسعة بشأن قدرة عدد من المراكب على مواصلة نشاطها بالوتيرة المعتادة، في ظل الارتفاع المتزايد في كلفة الرحلات.

ويرى المهنيون أن الوضع لم يعد يحتمل الاكتفاء بتدبير الظرفية من خلال حلول ظرفية، وإنما يستدعي التفكير في آليات أكثر استدامة وابتكاراً لدعم محروقات الصيد والتخفيف من وطأة تكلفتها على المقاولات والوحدات النشيطة في القطاع. وفي مقدمة المقترحات التي يجدد المهنيون طرحها، يأتي مطلب تسقيف أسعار المحروقات الموجهة للصيد البحري، إلى جانب اعتماد تدابير استعجالية من شأنها تقليص كلفة الاستغلال وتمكين المراكب من الحفاظ على نشاطها خلال هذه المرحلة التي تتسم بارتفاع منسوب المخاطر الاقتصادية.

ويستند هذا المطلب، بحسب الفاعلين المهنيين، إلى الأهمية الاستراتيجية التي يكتسيها الصيد البحري في الاقتصاد الوطني، ليس فقط باعتباره نشاطاً إنتاجياً ومصدراً للدخل، وإنما أيضاً بالنظر إلى مساهمته في التشغيل وتحريك عدد كبير من الأنشطة والخدمات المرتبطة به، فضلاً عن دوره في تموين السوق الوطنية بالمنتجات البحرية وتعزيز الأمن الغذائي.

ويكتسب النقاش حول آليات دعم المحروقات أهمية إضافية في ضوء التصريحات الرسمية بشأن تدبير تداعيات تقلبات أسعار الطاقة. فقد أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، أن مواجهة التقلبات التي تعرفها أسعار المحروقات على المستوى الدولي لا تقتصر على تتبع تطورات السوق، وإنما تستوجب تعبئة الموارد المالية اللازمة لمواكبة القطاعات المتأثرة، ولا سيما قطاع النقل، بما يساهم في تخفيف آثار هذه الضغوط على المهنيين.

وأوضحت الوزيرة أن الإجراءات المعتمدة تروم كذلك الحد من الانعكاسات المحتملة لهذه التقلبات على التضخم، مشيرة إلى استمرار تعبئة الموارد المالية لمواكبة القطاعات المتضررة، بما يوفر، بحسب التصريحات الرسمية، هامشاً من الطمأنينة للمهنيين إلى نهاية السنة، مع التأكيد على مواصلة السياسات العمومية الرامية إلى مواكبة القطاعات المتأثرة بارتفاع أسعار المحروقات خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

وفي السياق ذاته، كانت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، قد أكدت أن المعطيات المتوفرة تشير إلى استمرار انتظام تموين السوق الوطنية بالمواد الطاقية إلى غاية نهاية السنة، موضحة أن المخزون المتوفر من مختلف المواد البترولية يتراوح بين 40 و60 يوماً، مع إخضاعه لتتبع يومي من طرف اللجنة الوزارية والفاعلين في القطاع، بما يضمن استمرارية الإمدادات. كما أشارت إلى توفر مخزونات يمكن أن تساهم في تعزيز المخزون الاحتياطي الوطني من عدد من المواد الأساسية، من بينها غاز البوطان والغازوال، مؤكدة أن التتبع اليومي يشمل مختلف إمدادات المواد الطاقية والبترولية.

غير أن ضمان انتظام تموين السوق الوطنية بالطاقة لا يلغي، في نظر مهنيي الصيد البحري، الحاجة إلى معالجة الكلفة التي يتحملها القطاع نفسه. فالمشكل المطروح بالنسبة إليهم لا يرتبط فقط بتوفر المحروقات، وإنما بسعرها ومدى قدرة المراكب على تحمل كلفتها في ظل ارتفاع النفقات التشغيلية وتراجع هوامش الربح. ومن هنا، يتطلع المهنيون إلى أن يفضي النقاش الجاري حول تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات إلى إجراءات عملية تراعي خصوصية الصيد البحري، وتمنح هذا القطاع الحيوي هامشاً أكبر لمواجهة تقلبات السوق الدولية وهو تطلع سيكون معقود بالحكومة الحديدة. إذ يجدد المهنيون دعوتهم إلى فتح حوار مؤسساتي جاد ومسؤول بين السلطات الحكومية وممثلي القطاع، بهدف بلورة حلول قابلة للاستمرار، لا تقتصر على معالجة تداعيات الزيادات الحالية، وإنما تؤسس لآلية أكثر استقراراً لمواكبة القطاع كلما تعرضت أسعار الطاقة لموجات جديدة من الارتفاع.

ويعتبر الفاعلون المهنيون أن حماية استمرارية الصيد البحري في الظرفية الراهنة ليست مطلباً فئوياً محضاً، بقدر ما ترتبط بحماية سلسلة اقتصادية واجتماعية واسعة تمتد من البحر إلى الأسواق، مروراً بالموانئ والوحدات الإنتاجية والتجارية والخدماتية. ولذلك، فإن معالجة كلفة المحروقات الموجهة للصيد تظل، بالنسبة إليهم، مدخلاً أساسياً للحفاظ على تنافسية القطاع، وصون مناصب الشغل المرتبطة به، وضمان استمرار تدفق المنتجات البحرية إلى السوق الوطنية، بما يحافظ على توازن العرض ويحد من التداعيات المحتملة على المستهلك.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا