بقلم : محمد العطلاتي*
قد لا يجادل أحد في أن الصيد البحري قطاع استراتيجي ويحتل مكانة هامة في الإقتصاد الوطني لبلد مثل المغرب، وذلك بفضل الموقع الجغرافي والإنفتاح على واجهتين بحريتين، تمتدان على مجال بحري واسع يضم موارد سمكية متنوعة. و تتجلى الأهمية الإقتصادية للقطاع في خلق الثروة وتوفير مناصب الشغل وتحفيز الأنشطة الصناعية والتجارية المرتبطة به، فالمعطيات الرسمية المتعلقة بالموضوع تشير إلى مساهمة القطاع بما يقارب 1% من الناتج الداخلي الخام، وتوفيره ما يفوق ربع مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وكذا تحقيقه قيمة إنتاجية تقارب 16 مليار درهم سنوياً. وفضلا عن ذلك، فالقطاع يكتسي أهمية معتبرة في مجال التجارة الخارجية، إذ تمثل المنتجات البحرية نسبة هامة من صادرات البلد تعود على المملكة بمداخيل من العملة الصعبة.

يكتسي قطاع الصيد أهمية استثنائية على الصعيد السياسي، لارتباطه بممارسة الدولة لسيادتها على مجالها البحري الوطني الممتد من شمال المغرب إلى صحرائه، وأيضا بما يتعلق منها بثرواته الطبيعية وبأمنه الغذائي، كما يعتبر أداة عملية من شأنها تعزيز وتحصين حضور المغرب في مجاليه البحريين الأطلسي والمتوسطي. والقطاع قد يساهم بشكل عملي، في إسناد علاقات المغرب الدولية، من خلال إبرام اتفاقيات تتعلق بالصيد البحري وبالتعاون الدولي في مجال تدبير الموارد البحرية وحمايتها.
في هذا السياق، أطلق المغرب منذ سنة 2009 ما بعرف باسم “استراتيجية أليوتيس” والتي رفعت شعارا ثلاثي الأبعاد هو : الإستدامة، الأداء، والتنافسية، في محاولة تسعى لتحقيق عصرنة قطاع الصيد، وتحسين تنافسيته وضمان استغلال مستدام لموارده السمكية. الآن، بعد مرور أزيد من عقد ونصف من الزمن على بدء تنفيذ الإستراتيجية المذكورة، يلزم حتما إلقاء الضوء الكاشف على هذه الإستراتيجية وعلى حجم التمويل العمومي الذي خصصته الدولة لتنفيذ المشاريع المتعلقة به، والتساؤل أيضا بحرص وبموضوعية عما تحقق من مردود وراء كل هذه الإستثمارات التي تحملتها الخزينة العمومية للدولة؟
لقد قامت الدولة، بضخ مليارات من الدراهم لتمويل المشاريع المرتبطة بالإستراتيجية، منها ما يقارب ملياري درهم، في صيغة تحفيزات ومنح مباشرة، بينما تفيد المعطيات المتاحة أن استثمارات خاصة في صناعة تثمين المنتجات البحرية تجاوزت خمسة مليارات درهم خلال الفترة الممتدة من 2010 حتى 2020. وبالنظر إلى حجم هذه الإستثمارات و بالنظر إلى الهالة الدعائية التي رافقت برنامج أليوتيس، لا بد من التساؤل عماذا تحقق من الشعار الذي طرحه البرنامج المذكور والمتضمن عناصر ثلاثة هي الاستدامة، الأداء، والتنافسية؟ وماذا تحقق من وراء هذه الإستراتيجية التي كلفت خزينة الدولة مصاريف باهضة؟
بصرف النظر عما ورد في تقرير للمجلس الأعلى للحسابات من ملاحظات تتعلق بشروط الحكامة والجانب المرتبط بالتخطيط لما بعد انتهاء مخطط أليوتيس، وأنه اعتبر الوثائق المرافقة للاستراتيجية غير واضحة بالقدر الكافي، يلزم الانتباه، بحرص وموضوعية، إلى ما عجزت الإستراتيجية عن بلوغه منذ أزيد من عقد ونصف على الشروع في تنفيذها، أو بمعنى أكثر وضوحا : ماذا تحقق من شعارات أليوتيس الثلاثة؟
أولا : بين الاستدامة و الاستنزاف :
إن تحقيق استدامة الموارد السمكية، من حيث الجوهر، يعني القطع مع الإستغلال غير المعقلن والمضبوط لهذه الموارد، باعتبارها واحدة من روافد الإقتصاد الوطني، حيث تنتج عن تلك الإستدامة، ولو نظريا، آثار اجتماعية إيجابية على المواطن المغربي، سواء من حيث تأمين مصادر الغذاء أو توفير فرص الشغل. وقد جرت في هذا الجانب محاولات لتحسين القوانين المنظمة للصيد البحري، وفرض مقررات واتخاذ إجراءات جديدة في هذا السياق، لا سيما عبر اعتماد مخططات لتهيئة المصايد و فرض فترات للراحة البيولوجية، فضلا عن تحديد حصص معينة لصيد لبعض الأنواع. السمكية، كما قامت الدولة، عبر أجهزتها المختصة، في إطار السعي لتمكين السلطات المكلفة بمراقبة احترام قانون الصيد، بإقرار تعميم نظام تتبع سفن الصيد (VMS) على معظم وحدات أسطول الصيد الوطنية.
لكن، رغم صدور هذه التشريعات والمخططات ودخولها حيز التنفيذ منذ مدة ليست بالقصيرة، فإن المعطيات المتوفرة من مصادر مهنية، تذهب في اتجاه كون هذه الإجراءات لم تحقق الهدف المتوخى من وراء فرضها، إذ أن كثيرا من المؤشرات العلمية لا تزال باعثا لعدم حصول اطمئنان حقيقي على استدامة الثروات السمكية في المجال البحري الوطني، ويتضح ذلك من خلال استمرار الضغط على عدد كبير من أصناف المخزونات السمكية، كما أن التقارير العلمية التي أنجزها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري تشير لحصول تراجع لافت في الكتلة الحيوية لعديد من أنواع السمك المتوسطي. هذا مع تسجيل استمرارية ممارسة الصيد غير القانوني بعديد المناطق، كما أن ذات التقارير، المبنية على معاينات ميدانية، تشير إلى وجود ضعف كبير في الآليات الكفيلة بفرض مراقبة فعالة على أنشطة بعض قوارب الصيد التقليدي، مقارنة بأساطيل الأصناف الأخرى.
وفي سياق استمرار ارتكاب المخالفات الجسيمة لقانون الصيد ونصوصه التنظيمية، تؤكد المعطيات الميدانية ثبوت ارتكاب ممارسات تضرب عرض الحائط مبدأ الاستدامة، ومنها بشكل خاص استمرار استهداف الأسماك الصغيرة وعدم احترام الحد الأدنى للحجم التجاري لعدد من الأنواع السمكية و كذا استعمال بعض المهنيين شباكا بفتحات عيون صغيرة في عمليات الصيد، وهو ما يمكن اعتباره مخالفات خطيرة لكونها تهدد بشكل جدي سلسلة تجدد المخزون السمكي واستدامة المصايد.

كما تؤكد المعطيات نفسها أن ظاهرة الصيد غير المرخص لا زالت معروفة وتمارس بعدد من الشواطئ، حيث يقوم البعض باستعمال شباك غير قانونية لاستهداف مجاميع اليرقات والأسماك حديثة الولادة، إذ تلجأ أصناف سمكية سطحية إلى مناطق قريبة جدا من البر من أجل التوالد ووضع البيوض التي تنتج اليرقات التي تستكمل نموها وبلوغها، وهي ظاهرة عجزت السلطات المعنية عن إيجاد حل جذري لها، إذ أن هذه الأسماك المصيدة تجد دائما طريقها نحو التسويق و الإستهلاك في غياب تفعيل كاف لوسائل الضبط و المراقبة، وهو ما يسهم بشكل كبير في استمرار الإضرار بتجدد المخزون السمكي و بإنهاكه، وذلك بسبب غياب حماية قوية و فعالة ضد هذه الممارسات.
وتجدر الإشارة إلى أن الدراسات الدولية تعتبر الصيد غير القانوني يشكل خطرا أكبر على الثروة السمكية من زيادة عدد السفن الممارسة، إذ يؤدي بحسبها إلى استنزاف المخزون بحدة، لكن دون أن يظهر ذلك في الإحصاءات الرسمية، وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى إضعاف دقة الدراسات العلمية و الإضرار بالصيادين الملتزمين بالقانون، فضلا عن خسارة خزينة الدولة لمداخيل ضريبية وتجارية.
وفي إطار تأكيد استمرار وضعية الخطورة، تسجل المعطيات العلمية، التي ما فتئ معهد INRH يعلن عنها، أن المخزون السمكي لبعض الأنواع يوجد تحت وقع ضغط كبير، لاسيما بعض الأصناف الراقية مثل البوراسي والدانتي و الروبيان الأحمر، وكذا بعض أصناف رأسيات الأرجل و القشريات، وذلك بسبب استمرار مظاهر الصيد الجائر واستخدام معدات الصيد غير الانتقائية، فضلا عن استفحال ظاهرة الصيد غير القانوني وغير المصرح به، في إطار يغلب عليه واقع ارتفاع حرارة مياه البحر نتيجة التغيرات المناخية المعروفة على الصعيد العالمي، وهو ما يستدعي معالجة هذا الكم الهائل من الاختلالات المضرة بالتوازنات البيئية، ضمن رزنامة من التدابير العقلانية ذات المنحى الإستراتيجي و البعد الوقائي .
ثانيا : بين طبيعة الأداء وآثاره الواقعية
يقصد بالأداء، في مفهوم استراتيجية أليوتيس، الرفع من القيمة الإقتصادية لقطاع الصيد و مستوى رقم المعاملات المتعلق بأنشطته، حيث تشير المعطيات الرسمية إلى تسجيل ارتفاع في قيمة الصادرات من المنتجات البحرية، إذ بلغت قيمتها، وفق المعطيات المتعلقة بسنة 2025، ما يفوق 25 مليار درهم ما يمثل حوالي 30% من إجمالي الصادرات الفلاحية والغذائية المغربية. لكن المعطيات نفسها، تؤكد أن هذه الصادرات شهدت تراجعًا بنحو 10% في القيمة و5% من حيث الحجم مقارنة بالسنة التي قبلها. إذ تشكل الرخويات، الأسماك المجمدة، الطازجة، و المبردة، فضلا عن الأسماك المعلبة، أهم المنتجات البحرية الموجهة للتصدير.
وفي الجانب الخاص بالبنيات التحتية المتعلقة بالصيد، فقد شهد القطاع تحديث عدد من الموانئ و إنشاء قرى للصيادين ونقط مجهزة للتفريغ، كما عرف القطاع أيضا تحديثا لأسواق السمك ومحاولات في تحسين سلاسل التبريد وفي رفع القيمة المضافة للمنتجات المصنعة. لكن رغم كل ذلك، فالقطاع لم يسجل أي تطور حقيقي على مستوى دخل عدد كبير من البحارة، إذ بقي ضعيفاً بشكل عام، كما أن مستوى عيش أغلب ممارسي الصيد التقليدي لم يعرف أي تحسن ملحوظ، إذ لا تزال حلقات الوسطاء تستحوذ على جزء كبير من الأرباح. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأداء المزعوم وما إذا كان متجها فعلا إلى تعميم الإستفادة من الثروات السمكية الوطنية أو السير في اتجاه يسعى لتكريس انتفاع القلة على حساب الأغلبية، وهذا يطرح تساؤلات موضوعية عن دور الدولة في حماية الثروة، و التخطيط في الوقت نفسه لإنجاز الاستثمارات، و العمل على استفادة الجميع في إطار المساواة وتحقيق العدالة الاقتصادية.
ثالثاً: التنافسية
المراد بالتنافسية في مجال الصيد البحري، وفق مفهوم أليوتيس، الارتقاء بالمغرب في اتجاه ترتيبه ضمن لائحة المنافسين الكبار على المستوى الدولي، وهو هدف مرجو و مطلوب لدعم المغرب في تحقيق غاياته المتعلقة بتطوير الاقتصاد و تنويع أسواقه في محيطه الدولي. و يسجل في هذا الإطار أن المغرب، حسب الإحصائيات المتوفرة، قد حقق بعض التقدم، إذ أصبح من كبار مصدري سمك السردين نحو الأسواق الخارجية، كما أن الإحصائيات تشير إلى حصول توسع مقبول في مجال الصناعات التحويلية، توسع ارتفعت معه صادرات الأسماك المجمدة والمعلبة ومكّن من إدخال منتجات مغربية في أسواق جديدة كالولايات المتحدة و اليابان .لكن هذا التقدم الذي تشير إليه الإحصائيات الرسمية يطرح التساؤل عن حدود النجاح المنسوب لما أطلق عليه اسم “استراتيجية أليوتيس”، وعن ماهية الكلفة التي يدفعها المغرب والمغاربة لتحقيق هذا النجاح الجزئي؟ وهل ثمة تعادل بين الربح في جانب و الخسارة في جوانب أخرى؟
يؤكد الواقع الفعلي أن قطاع الصيد بالمغرب لا يزال في مواجهة تحديات جمة، تتعلق، في جانب منها بموضوع الاستدامة، لاسيما في ظل اعتماد مفرط على المادة الخام، وهي السمك في هذه الحالة، مع تسجيل ضعف أكبر في تصنيع منتجات جديدة و ذات قيمة مضافة عالية، وهو ما يضع البلد في مواجهة بلدان ناجحة في هذا المجال، استطاعت عن طريق وضع استراتيجيات صناعية قطاعية وبناء قوة ابتكار صناعي لديها، من الهيمنة بشكل شبه مطلق على الصناعات السمكية، كما هو الحال بالنسبة لبلدان مثل النرويج و أيسلاندا و الصين، وهي أقطار لا يمكن منافستها دون التوفر على مخطط قوي و مضبوط الوسائل و الغايات، يقوم على الاستثمار في تكوين الكفاءات وتحفيز صناعات غذائية جديدة، بإمكانها تأمين الانتقال من سياسة الاتجار إلى سياسة التصنيع الغذائي بشكل يثمن المنتوج السمكي، و يرفع قيمته التجارية في الأسواق الدولية، و الحفاظ في الوقت ذاته على المخزون السمكي الوطني.
إن التطور القوي للصادرات يعني بالضرورة استمرارا فعليا في إنهاك المخزونات، وهو ما يعني في واقع الأمر أن تحقيق التطور في الصادرات ليس دليلا على النجاح، بل هو دليل على الفشل، فشل يمكن إثباته من خلال الوضعية الكارثية لعديد المخزونات، وهو وضع يفسر تسجيل زيادة بمتتالية هندسية في أسعار السمك، تضع المستهلك المغربي في حالة من الصدمة و الإستغراب لاسيما حين يشمل ارتفاع الأسعار أصناف السمك السطحي مثل الأنشوبة/السردين /الماكرو التي كانت إلى وقت قريب رخيصة، وتلبي حاجيات المواطنين الاستهلاكية، بل شمل الإرتفاع حتى صنف الريم الذي كان أرخص الأنواع قبل أن يسجل ثمنه في الأسواق ارتفاعا استثنائيا.
إن تقييم استراتيجية أليوتيس يقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات: النجاح الاقتصادي، والنجاح الاجتماعي، والنجاح البيئي. فبينما تبدو النتائج الاقتصادية إيجابية إلى حد ما، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عند الانتقال إلى الجوانب الاجتماعية والبيئية. فالاستدامة لا تقاس بكمية المصطادات، بل بقدرة المخزون على التجدد لعقود قادمة. إلا أن المؤشرات العلمية تؤكد حصول إنهاك كبير تعرض له المخزون السمكي، لأسباب بشرية في الغالب، و لأسباب ترتبط بالتغيرات المناخية التي يعرفها العالم، فضلا عن أسباب أخرى تتعلق بالبيئة التي يلعب العامل البشري دورا محوريا في تخريب مقوماتها الأساسية.
الحقيقة أن استراتيجية أليوتيس التي اعتمدتها الدولة لم تحقق أهدافها بشكل مقبول، وهذا تمكن قراءته بشكل موضوعي من تلخيص النواقص التي اعترت الاستراتيجية في قضايا تتعلق أساسا بضرورة تعزيز البحث العلمي البحري، و إنجاز دراسات دقيقة للمخزون السمكي مع تتبع تأثيرات التغير المناخي ، كما تتجلى النواقص في ضعف وسائل و أدوات الرقابة على الاستغلال ومحاربة الصيد غير القانوني و اعتماد الصرامة العقابية لمواجهة المخالفات، و على الجانب الإقتصادي يتجلى القصور في انعدام ربط حقيقي للنجاح الاقتصادي بالبعد الاجتماعي، وضرورة بناء مشاريع استراتيجية كفيلة بتحقيق توزيع عادل للثروة السمكية بدل احتكارها من طرف الفاعلين الكبار وحجب الاستفادة منها من طرف الفاعلين الصغار. فهل حققت استراتيجية أليوتيس ما أعلنت عنه ؟ وهل يتناسب ما صرف عليها من الأموال العامة مع المردودية المتوقعة من تنفيذها؟ أم أن المواطن المغربي لازال محروما من حقه في مساءلة مدبري الشأن العام المتعلق به؟ هذا هو السؤال المرجعي.
*محمد العطلاتي/طنجة – باحث مهتم بشؤون الصيد
























