بقلم: عبد الخالق جيخ *
لا يختلف إثنان أنه كلما إلتقى الإجتهاد الفردي بالموقف المؤسساتي، تتحول الفكرة من مجرد رأي قابل للنقاش إلى رؤية تستند إلى شرعية التمثيل، وتصبح أكثر قدرة على التأثير في مسار القرار العمومي. فالأفكار، مهما بلغت وجاهتها، تظل محدودة الأثر ما دامت حبيسة الإجتهادات الشخصية، لكنها تكتسب قوة مختلفة عندما تتبناها مؤسسة منتخبة، تتحدث بإسم المهنيين وتحمل تفويضهم.

من هذا المنطلق، تكتسي المراسلة التي وجهتها غرفة الصيد البحري المتوسطية إلى السيدة كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري أهمية تتجاوز مضمونها المباشر. فهي لا تقدم أفكاراً غير مسبوقة، بقدر ما تمنح مطالب ظل المهنيون يرددونها لسنوات، بعداً مؤسساتياً يرفعها من مستوى الترافع الفردي إلى مستوى الموقف الرسمي. وهي مطالب سبق أن تناولتها في أكثر من مناسبة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن إصلاح قطاع الصيد البحري لا يمكن أن يتحقق بمنطق المعالجات الجزئية أو الترقيع التشريعي، بل بإعادة بناء الإطار المؤسساتي الذي ينظم هذا القطاع على أسس أكثر انسجاماً مع التحولات التي عرفتها البلاد.
إن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة، تكمن في أنها تصدر عن مؤسسة منتخبة تستمد مشروعيتها من صناديق الإقتراع، وتمثل إحدى أهم الجهات البحرية بالمملكة. وعندما تعلن هذه المؤسسة أن القانون رقم 4.97 لم يعد قادراً على مواكبة التحولات الدستورية والمؤسساتية والإقتصادية التي عرفها المغرب، فإن الأمر لا يتعلق بوجهة نظر معزولة، وإنما برسالة سياسية ومؤسساتية تعكس تطلعات شريحة واسعة من الفاعلين المهنيين.
ولعل أكثر ما يمنح هذه المراسلة قوتها أنها لم تنخرط في المطالبة بإصلاحات جزئية أو تعديلات تقنية، وإنما ذهبت مباشرة إلى أصل الإشكال، داعية إلى إخراج قانون جديد يستجيب لفلسفة دستور 2011، ويترجم عملياً مبادئ الجهوية المتقدمة والديمقراطية التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي دعوة تبدو منسجمة مع منطق التطور الدستوري، لأن مؤسسات وُلدت في سياق قانوني يعود إلى ما يقارب ثلاثة عقود يصعب أن تستجيب بكفاءة لتحديات مرحلة تغيرت فيها الأولويات، وتبدلت فيها آليات الحكامة والتدبير.
ويبرز هنا سؤال جوهري، كيف يمكن الحديث عن جهوية متقدمة، بينما تظل غرف الصيد البحري مقيدة باختصاصات محدودة، تجعلها أقرب إلى هيئات استشارية منها إلى مؤسسات جهوية فاعلة؟ إن الارتقاء بهذه الغرف إلى مؤسسات عمومية جهوية تتمتع بصلاحيات فعلية في تدبير قضايا القطاع، تخطى المطلب التنظيمي و أصبح ضرورة تفرضها طبيعة الأوراش الوطنية الكبرى، التي تراهن على اللامركزية وتقريب القرار من الفاعلين الترابيين.
وفي السياق ذاته، تبدو إعادة النظر في مفهوم الوصاية الإدارية مسألة لا تقل أهمية عن مراجعة النصوص القانونية نفسها. فالوصاية وجدت لضمان احترام القانون وحسن تدبير المال العام، لا لتحويل المؤسسات المنتخبة إلى هياكل تنتظر الإذن قبل ممارسة أبسط اختصاصاتها. وعندما تصبح الوصاية عائقاً أمام المبادرة، فإنها تفرغ الانتخاب من مضمونه، لأن المسؤولية لا يمكن أن تستقيم في غياب هامش حقيقي لإتخاذ القرار. فلا معنى لمحاسبة مؤسسة لا تمتلك أدوات الفعل، ولا جدوى من انتخاب ممثلين تظل صلاحياتهم رهينة الإدارة المركزية.
ولا تقل وضعية جامعة غرف الصيد البحري إثارة للتساؤل. فمن غير المنطقي أن تستمر هيئة تجمع مؤسسات عمومية، وتمول من المال العام، وتخضع لرقابة الدولة، في الاشتغال وفق ظهير 15 نونبر 1958 المنظم لحق تأسيس الجمعيات. فهذه المفارقة القانونية تكشف عن خلل في البناء المؤسساتي نفسه، وتطرح سؤالاً مشروعاً حول أسباب استمرار هذا التداخل بين القانون العام والقانون الخاص، وما يترتب عنه من غموض في الاختصاصات وآليات الرقابة والمساءلة. لذلك تبدو مراجعة هذا الوضع مدخلاً ضرورياً لتوفير إطار قانوني أكثر انسجاماً مع طبيعة الجامعة واختصاصاتها.
كما أن أي إصلاح مؤسساتي لن يحقق أهدافه ما لم يقترن بإصلاح مالي وإداري حقيقي. فالمؤسسة التي تفتقر إلى الموارد البشرية والاعتمادات المالية المستقرة، لا يمكنها أن تتحول إلى فاعل تنموي، مهما كانت جودة النصوص القانونية المؤطرة لها. وقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن نبه إلى محدودية الإمكانيات المالية لغرف الصيد البحري وتأخر تحويل اعتماداتها، وهو واقع يجعل الحديث عن النجاعة والحكامة مجرد شعارات، ما لم تعالج الأسباب البنيوية لهذا الضعف.
ومن النقاط التي تستحق بدورها مزيداً من النقاش، ضرورة إعادة تعريف موقع غرف الصيد البحري داخل منظومة صناعة القرار العمومي. فليس من المقبول أن تظل مساهمتها محصورة في إبداء آراء استشارية غير ملزمة، بينما يفترض أن تكون شريكاً مؤسساتياً كاملاً في إعداد السياسات العمومية المرتبطة بالقطاع، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الأزرق، والتحديات البيئية، ومتطلبات التنمية المستدامة. فالحكامة الجيدة لا تعني فقط تحسين أساليب التدبير، بل تقتضي أيضاً إشراك المؤسسات التمثيلية في صناعة القرار بدل الاكتفاء باستشارتها بعد اكتمال صياغته.
وإذا كانت المبادرة قد فتحت الباب أمام إصلاحات عميقة، فإنها تثير في المقابل نقاشاً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بتركيبة غرف الصيد البحري نفسها. فهذه المؤسسات مطالبة اليوم بأن تصبح فضاءً جامعاً لكل مكونات القطاع وشركائه، بما يضمن تمثيلية أوسع وأكثر توازناً، ويمنحها شرعية أقوى للتعبير عن مختلف المصالح المهنية دون إقصاء أو اختزال.
وليس من قبيل المصادفة أن تربط الغرفة مشروع الإصلاح بالأوراش الوطنية الكبرى، من النموذج التنموي الجديد إلى الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الأزرق، مروراً بالالتزامات البيئية والتحديات التي تفرضها التغيرات المناخية. فغرف الصيد البحري ليست مؤسسات هامشية أو إدارية صرفة، بل يفترض أن تكون إحدى الواجهات الأساسية لتنزيل هذه السياسات على المستوى الترابي، وهو ما يستوجب تمكينها من الوسائل والصلاحيات التي تجعلها قادرة على أداء هذا الدور.

وبناء على ما سبق، تعد مبادرة غرفة الصيد البحري المتوسطية، دعوة صريحة إلى مراجعة فلسفة تدبير القطاع برمتها. ويحسب لرئيس الغرفة، الأخ منير الدراز، ولأعضاء الغرفة، أنهم نجحوا في تحويل مطالب ظل المهنيون يرددونها لسنوات إلى موقف مؤسساتي واضح، بما يمنحها قوة سياسية وقانونية أكبر، ويجعلها جزءاً من النقاش العمومي حول مستقبل القطاع.
لقد تجاوز النقاش اليوم حدود تعديل بعض المواد أو تحسين بعض الصياغات القانونية. الرهان الحقيقي أصبح هو بناء جيل جديد من غرف الصيد البحري، منسجم مع روح الدستور، وقادر على ممارسة اختصاصاته باستقلالية ومسؤولية، ومتحرر من القيود التي تعطل أداءه، ومدعوم بإطار قانوني حديث ينظم جامعته باعتبارها مؤسسة عمومية، ويوسع تمثيليته ليعكس التنوع الحقيقي للقطاع.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، هل ستتعامل الحكومة والمشرع مع هذه المبادرة باعتبارها فرصة لإطلاق إصلاح مؤسساتي عميق، أم ستتكرر مقاربة التعديلات الجزئية التي تؤجل معالجة أصل الإشكال؟ فوحدها المرحلة المقبلة ستكشف إن كانت الإرادة الإصلاحية ستنتصر هذه المرة، أم أن قطاعاً استراتيجياً من طينة قطاع الصيد، سيظل أسير نصوص تجاوزها الزمن وواقع قد سبقها بأشواط .
عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري


























