استراتيجية أليوتيس بين الشعار والواقع

1

كتبها للبحرنيوز :محمد أعضيض.

DSC_6409في سنة 2009 أعطى صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله من خلال معرض أليوتيس الإنطلاقة الفعلية للعمل بمضامين إستراتيجية ” أليوتيس ” وقدم من خلالها وزير الفلاحة والصيد البحري لعاهل البلاد هذه الاستراتيجية على أنها وصفة شافية من الاختلالات السابقة التي عرفها مشهد قطاع الصيد البحري على أساس أنها مولود جديد بأكسجين قوي، خاصيته الأولى تقوية البنية التحتية من موانئ وأسواق ولوجستيك وكل الخدمات الإدارية وتثمين المنتوج ومحاربة الصيد الجائر والعشوائي والغير المصرح به ومحاربة البطالة بتشغيل ما ينيف عن 100 ألف يد عاملة.

لحظتها عاش الجميع على هذا الحلم أنه سيشكل حقيقة قفزة نوعية في قطاع الصيد البحري وضخ دم جديد في عروقه المتصلبة التي باءت سابق البرامج والاستراتيجيات بفشل دريع لإحداث منظومة التغيير وكانت آنذاك بعض الفعاليات المهنية  تعارض هذه الاستراتيجية عارفة أنها ستأتي على الأخضر واليابس وستشكل نخبة مهنية تستفيذ من خيرات القطاع على حساب الفئة العريضة من البحارة والمجهزين.

وانطلاقا من أن المغاربة يرون في خطوات صاحب الجلالة نصره الله البركة والرشد والنجاح فإنهم كانوا أكثر المتفائلين من أن خيرات البحر ومجهودات البحارة والتجار لن تذهب سدى وأن خيرا عميما سيشمل القطاع، إلا أنه ونحن في نهاية سنة 2014 على مقربة من تنظيم معرض جديد لأليوتيس ما زلنا ننتظر المتحقق من غيره مستشعرين أن هذه الاستراتيجية كانت كذبة مصنوعة ومحاكة بأرقام واستدلالات ومعطيات مضخمة أحيانا يبدو معها الواقع المهني قزما، واتضح للمهنيين أن صاحبها كان يبيع لهم الوهم لربح الوقت ليس الا.

فما هي إذن الأسباب الذاتية والموضوعية التي يراها المهنيون الشرفاء والبحارة الأوفياء للقطاع سببا في عدم نجاح خطط كثيرة تشكل قعاقيع مهولة وشعارات فضفاضة في واقع مهني أقل ما يمكن أن ننعته به أنه يراكم السلبيات.

أ- فعلى المستوى الذاتي :

إن طبيعة الوزارة الوصية ما زالت على حالها تستأنس بتحالف اللوبيات وذوي المصالح وأقطاب التمثيليات الهشة في شكل غرف أو كونفيدراليات أو فيدراليات تأسست مبدئيا من أجل الاستفادة من الدعم، وهي أذاة الإشهار التي تروج لسياسة الوزارة وتجمل ما لا جمال فيه من أجل الاستفادة من دعم كان أولى به جمعيات البحارة. وهذا يشكل هدرا للمال العام ويفتح القوس والسؤال، ماذا نستفيذ من الدعم المخصص لاتفاقية الصيد إذا كانت جمعيات البحار لا تتلقى أي دعم مادي أو معنوي من الوزارة، اللهم الالتفاتات الملكية التي تضمد كل مرة جراح البحارة وترفع من معنوياتهم ماديا ونفسيا .

إن الإرتكاز على تمثيليات كلاسيكية أصبحت تمثل ريعا جمعويا متقادما لا تقدم أية بدائل أو اقتراحات وازنة، بل تكرس الوضع الحالي هي الضربة القاضية لكل خطة وزارية. فالبهرجة لم تصبح عاملا إيجابيا، بل التحليل الموضوعي والتقييم الحكماتي وفق الدستور الجديد هو الأولى بإعطاء القيمة الأساس للعمل الحكومي والسياسات المتبعة، ولعل خلق الإطار التمثيلي لغاية نفعية استرزاقية كي يصبح لسانا للوزارة يتحدث بلغتها أكثر مما تتحدث عن هموم المهنيين.

وهذه الصفة أي صفة الوكالة والوساطة التمثيلية أصبحت شكلا متجاوزا. و على الوزارة أن تحدو منحى مغايرا في اتجاه المقاربات التشاركية والحوار الهادف ومنهجية تقييم مرحلي للخطوات الاستراتيجية. وهذا العمق في اعتبار أن كل خطة محدثة هي ملك للجميع مهنيين أو مجتمع مدني، فإن ضرورة التقييم مشروعة وإلزامية الإقرار بالفشل حقيقة وهذا ما لا نلاحظه في سياسة وزارة الصيد البحري وعلاقتها بالقطاع.

فليس تقديم الدعم أو الهبات أو مجالسة إطار مهني على حساب الآخرين كفيل بإنجاح أية خطة، بل الاستفادة من الأخطاء وتحويلها إلى بوادر للنجاح، فبعض رؤساء الغرف الذين طبلوا وزمروا للصناديق البلاستيكية الموحدة وساهموا في تضليل الوزارة على نجاحها، استفاذوا أكثر من غيرهم من خيرات بعض الموانئ، وتحولوا بين صبيحة وعشية إلى تجار سمك بالجملة. ساهموا في إفساد فضاء التجارة والمنافسة الحرة.

ألم يسائل هؤلاء أنفسهم ومن خلالهم الوزارة ،  ما هو الجديد الذي جاءت به هذه الصناديق ؟ ألم تحدث خللا في التسويق ؟ ألم يسوق السمك الموضوع بها إلى معامل دقيق السمك ؟ ألم تتسبب في اغلاق الأسواق التقليدية في وجه وحدات التصبير و التجميد بسبب ارتفاع معدل الاستامين؟ وكيف أصبحت أداة لإغتناء مجموعة من الأشخاص ببيعه في الأسواق لإعادة إستخلاص مادة البلستيك ؟ ألم تثقل كاهل التجار وتوقعهم في المديونية من طرف المكتب الوطني للصيد ؟كيف للوزارة أن تغفل عاملا مهما ألا و هو التثمين أولا في سياستها و جعله دافعا و ليس هدفا لإنجاح عملية الصناديق البلاستيكية ؟ وهل من المعقول و المنطقي أن يباع اليوم السردين بأقل من ثمنه ؟و الأسئلة كثيرة و كثيرة ننتضر جوابها.

إن ضياع 400 مليون درهم كقيمة لاقتناء هذه الصناديق جاء على حساب رزق المغاربة وقوتهم ، ولذلك لا بد من السؤال والتقييم والمراهنة التي جاءت في الاستراتيجية على الجودة، هي التي دفعت البحارة وكل المهنيين أن يصلوا صلاة الجنازة على هذه الاستراتيجية معلنين بداية قطع علاقتهم بها ومن خلالها دق ناقوس الخطر على القطاع.

ب- فعلى المستوى الموضوعي :

ما زالت الوزارة تراوح مكانها وتحاول ما أمكن إجهاض كل صوت يدعو إلى سياسة التقييم والحكامة، بدليل أن أحد رؤساء الغرف في الأشهر الماضية اجتهد أكثر من غيره والمجتهد إن أصاب له أجران وإن أخطأ له أجر واحد، محاولا تقييم استراتيجية ” أليوتيس ” من خلال يوم دراسي كنا ننتضره، إلا أن الوزارة لم تستسغ هذا الاجتهاد وحولته إلى مساومة ومهما كان فصاحبنا له الأجر في أنه يهضم أكثر من غيره سياسة اللاءات والموانع.

فنقول بصريح العبارة أن الهاجس الموضوعي غائب وأن الوزارة تغرق في موروثها السلبي مؤمنة بالأشخاص لا المؤسسات ولا الأفكار، تعتبر مخططاتها السابقة والحالية ناجحة ما دام يصفق لها أصحاب العام زين. فكلما قام مصلح أو مؤمن بمنظومة الإصلاح إلا وحورب بكل الوسائل وهو ما لوحظ مؤخرا ، إذا أنقطاع الصيد بالوزارة نزل بثقله على  لقاء مفضوح لإحدى التمثيليات المهنية بأكادير معلنة بدالك أن سياسة الإنحياز لأصحاب العام زين هي سمتها ، وفي جمع عام طابعه المميز هو التقرير المالي الذي أجمع على أن خدام الوزارة يتمتعون في الهبات من المال العام تحت تصفيق الإدارة الوصية وبمباركتها.

ما الذي قدمته هذه الفيدراليات أو الغرف لقطاع الصيد البحري عبر السنين ؟ إن لم نقل أنها اجتهدت في تشكيل لوبي ريع خطير يهدد حتى كيان الوزارة وبعض صلاحها، ناهيك أن البنية التحتية الهشة المتوارثة وإدارة المكتب الوطني للصيد، التي أصبحت الصورة الفاضحة في جسم الوزارة، و الأداة التي تضرب بعرض الحائط مضامين هده الاستراتيجية.

إذا فاستراتيجية ” أليوتيس ” كسابقتها من الخطط تواجه بإعصارات متعددة، منها الذاتي من داخل الوزارة وثقافتها وبنية قوانينها التي تعود إلى سنة 2009، وتمسكها بنكران أي اجتهاد أو تفعيل مدونة للصيد البحري وللتجارة كذلك وللبيئة البحرية، والاعتراف بالبحار كشريك وليس كأجير والمساهمة في الإرتقاء بالصيد التقليدي بما يتجاوب وكرامة الإنسان المغربي وحقه في السلامة البحرية، والعمل وفق شروط لائقة ..أين نحن منها حاليا ؟

إن ما غاب في أذهان الوزارة وما حضر كمضمون في استراتيجة ” أليوتيس ” هو الذي دفع مهنيين صادقوا الله على ما عاهدوه عليه، وصادقوا الوطن وكانوا أوفياء للرهانات التي أسس لها ملك البلاد نصره الله منذ توليه العرش على أن يصلوا صلاة الجنازة يوم 19/12/2014 بآسفي والصويرة وأكادير والداخلة، حتى يطلبوا تحكيما ملكيا ينجينا من كذبة كبيرة اسمها ” أليوتيس، ” لازمت القطاع 6 سنوات وما زالت تنخر جسمه قائلين لمعالي وزير الصيد البحري، نحن لسنا ضد الإصلاح والقانون ولكن نسائلك أمام الله و أمام الجميع ، ما هي الإضافات الكمية والنوعية التي شملت البحار المغربي والمنتوج السمكي الوطني والبنية التحتية، آنذاك سنحتفل سويا في سنفونية مغشوشة إسمها ” معرض أليوتيس ” شاء لها القدر أن تعيش كشعار أكبر من الواقع.

محمد أعضيض رئيس الجامعة الوطنية لهيئات مهنيي الصيد الساحلي

تعليق 1

  1. بسم الله الرحمان الرحيم صورة السيد اعضيض رئيس الجامعة الى جانب صورة صاحب الجلالة عندها اكثر من دلالة .و المقال عن الاستراتيجية يعكس اولا ان زمن الاطر التمثيلية المهنية قد ادبر و ثانيا ان السيد اعضيض ليس ذلك المجهز مول الشكارة و صافي و لكن شخص تتوفر فيه الاخلاق و الخصال الحميدة مع الاخد بالاعتبار انه يعرف كل كبيرة و صغيرة عن القطاع بل حتى اذق التفاصيل و دواليب المهنة و كذلك وعيه التام و معرفته المطلقة في مجالات اخرى كالثقافة و القانون و السياسة .و في مقاله هذا يتطرق للاشكاليات التي حالت دون الطريق الصحيح للاستراتيجية و المقارنة بين التصور الواقعي و التصور المتخيل و فهم عمق الابعاد الحقيقية من وراء هذه الاستراتيجية .بصحتك المقال

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا