تتجه مصايد الأسماك السطحية الصغيرة بالمغرب إلى مرحلة جديدة من النقاش والتقييم، في ظل تزايد المؤشرات العلمية والإقتصادية التي تدعو إلى مراجعة أساليب تدبير هذا المورد الإستراتيجي، وذلك بعدما شكلت هذه المصيدة أحد أبرز محاور النقاش خلال أشغال الدورة العادية لغرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية، المنعقدة يوم الثلاثاء 28 يوليوز 2026 بمدينة الدار البيضاء، حيث التقت رؤى المهنيين والباحثين والمؤسسات المعنية حول الحاجة إلى تطوير منظومة تدبير أكثر قدرة على مواجهة التحولات البيئية والاقتصادية التي يعرفها القطاع.

وخلال أشغال الدورة، نوه المتدخلون بالمجهودات التي يبذلها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري في مجال تتبع تطور المخزونات السمكية وإنجاز الدراسات العلمية الميدانية، معتبرين أن المعرفة العلمية أصبحت تشكل على المستوى الدولي الركيزة الأساسية لأي قرار يتعلق بتدبير المصايد. وفي المقابل، نم التحذير من تنامي بعض الممارسات غير القانونية، وعلى رأسها استعمال الأضواء الكاشفة والمتفجرات، حيث أكد المتدخلون من اعضاء الغرفة، أن هذه السلوكيات تشكل تهديدا مباشرا للتوازنات البيئية وتساهم في استنزاف الثروة السمكية، بعدما كانت هذه الظواهر تتركز أساسا في البحر الأبيض المتوسط قبل أن تمتد آثارها إلى السواحل الأطلسية.
وفي السياق نفسه، أثار كمال صبري موضوع الانتشار المتزايد لاستعمال العوامات أو ما يعرف مهنيا بـ”البويات” في الشباك قبالة السواحل، مبرزا ما تسببه من تشابك لمعدات الصيد، فضلا عن النقاش الذي تثيره بشأن تأثيرها المحتمل على المخزون السمكي، خاصة بعدما سبق للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري أن سجل تحفظات بشأن بعض أنماط استخدامها، بالنظر إلى احتمال مساهمتها في اصطياد الأسماك الصغيرة. ودعا في هذا الإطار إلى تنظيم ورش تقني متخصص لتقييم مختلف الجوانب المرتبطة بهذه الوسائل، بالتوازي مع فتح نقاش أوسع حول حصيلة مخطط “أليوتيس” ومدى نجاحه في تحقيق أهداف الاستدامة وتثمين الموارد البحرية.
من جهته، أوضح ممثل المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، أن الأسماك السطحية الصغيرة تمثل نحو 80 في المائة من إجمالي المصطادات بالسواحل المغربية، ما يعكس وزنها الاقتصادي والاجتماعي داخل المنظومة البحرية الوطنية، مشيرا إلى أن التراجع المسجل خلال السنوات الأخيرة يرتبط بدرجة كبيرة بتداعيات التغيرات المناخية والاحترار البحري، رغم تسجيل بعض المؤشرات الإيجابية المحدودة على مستوى بعض الأصناف. كما استعرض ممثلو المعهد مشروع إشراك مهنيي الصيد البحري في عمليات التتبع العلمي ضمن برنامج “الصيد الرصدي”، الذي يروم إرساء شراكة عملية بين الباحثين والمهنيين لتعزيز المراقبة العلمية للمصايد ودعم أسس الصيد المستدام.
وتأتي هذه المناقشات في وقت تؤكد فيه المؤشرات الاقتصادية استمرار الضغوط على هذا النشاط الحيوي. فقد كشفت معطيات المكتب الوطني للصيد البحري، ضمن تقريره الأخير حول مفرغات الصيد الساحلي والتقليدي، عن تراجع مفرغات الأسماك السطحية الصغيرة خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026، بعدما استقرت الكميات في حدود 289 ألفا و817 طنا بقيمة تناهز ملياراً و167 مليون درهم، مقابل 300 ألفا و588 طنا بقيمة بلغت نحو مليار و289 مليون درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بانخفاض نسبته 04 في المائة من حيث الحجم و09 في المائة من حيث القيمة، بما يعكس أن تراجع المداخيل كان أكثر حدة من انخفاض الكميات المصطادة.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل اقتراب استكمال مراجعة وتحيين مخطط تهيئة مصيدة الأسماك السطحية الصغيرة، ضمن برنامج عمل انطلق سنة 2024 ويعتمد على التشاور مع مختلف الفاعلين في القطاع. وتشير المؤشرات إلى أن الموسم المقبل قد يعرف حزمة جديدة من التدابير التنظيمية، خصوصا على مستوى المصايد الجنوبية، في إطار السعي إلى تحقيق توازن أفضل بين متطلبات الإستغلال الإقتصادي والحفاظ على المخزون السمكي.
وكانت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري قد أكدت، في جوابها عن سؤال كتابي بمجلس النواب، أن مسلسل تحيين المخطط يعرف تقدما متواصلا، بعدما أفضت الاجتماعات المنعقدة منذ 2024 إلى توافق مبدئي حول عدد من الإجراءات، من أبرزها مراجعة القامة التجارية للأسماك السطحية الصغيرة وتعزيز حماية المناطق الصخرية، إلى جانب مواصلة النقاش حول تدابير إضافية ستتوج بإعداد مشروع قرار تنظيمي جديد.
وتنسجم هذه التوجهات مع خلاصات الورشة العلمية الدولية التي احتضنتها الرباط في وقت سابق، والتي خصصت لدراسة واقع الأسماك السطحية الصغيرة في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الاستغلال المكثف والتغيرات المناخية. وقد خلص المشاركون إلى أن مستقبل هذا المورد لم يعد رهينا فقط بإجراءات الحماية التقليدية، وإنما أصبح مرتبطا ببناء نماذج جديدة للتدبير تعتمد المرونة والقدرة على التكيف والاستناد إلى المعرفة العلمية الدقيقة في اتخاذ القرار.
وأكد الخبراء أن استدامة هذه المصايد أصبحت قضية تتجاوز البعد البيئي لتشمل رهانات اقتصادية واجتماعية وغذائية تمس ملايين الأسر، داعين إلى الانتقال نحو مقاربات تدبيرية أكثر دينامية، تقوم على تكييف مجهود الصيد مع المعطيات العلمية المتوفرة في الزمن الحقيقي، وتطوير أنظمة حصص مرنة، وتعزيز حماية الأسماك الصغيرة، وتوسيع نطاق المراقبة العلمية للمخزونات، في إطار مقاربة إيكولوجية متكاملة تضمن استمرارية النشاط الاقتصادي والحفاظ على التوازنات البحرية.
كما أبرزت النقاشات أهمية تطوير البحث العلمي البحري وتحديث أدوات الرصد والنمذجة، باعتبارها وسائل أساسية لفهم تأثيرات التغيرات المناخية على توزيع المخزونات السمكية وسلوكها، بما يسمح بتوجيه السياسات العمومية والقرارات التقنية على أسس علمية أكثر دقة. وشدد المشاركون أيضا على أهمية تعزيز التعاون بين العلماء والمهنيين، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنمذجة الرقمية للمحيطات في تحسين قدرات التوقع واتخاذ القرار، إلى جانب توسيع التعاون الإقليمي والدولي في مجال تبادل البيانات والخبرات المتعلقة بالمخزونات السمكية العابرة للحدود.




























