يُعدّ مرض السكري من الأمراض المزمنة التي تؤثر في قدرة الجسم على الاستفادة من الجلوكوز، سواء بسبب نقص إفراز الأنسولين من البنكرياس أو بسبب ضعف استجابة الخلايا له، وهو ما يؤدي إلى اضطراب مستويات السكر في الدم بين ارتفاع وانخفاض غير طبيعيين، بما يحمله ذلك من مخاطر على الأعصاب والأوعية الدموية والقلب والكليتين والبصر. وفي الأوساط البحرية، يبرز هذا الداء كواحد من الأمراض المنتشرة في صفوف البحارة، خاصة المتقدمين في السن، بحكم طبيعة العمل الشاق وطول فترات الإبحار واختلال النظام الغذائي والراحة.

فكما هو معلوم البحر لا يرحم، والعمل فوق سطحه يتطلب جهدا بدنيا كبيرا ويقظة مستمرة، خصوصا في رحلات الصيد الطويلة، حيث السهر المتواصل وتقلبات الطقس والبرد والرطوبة. في مثل هذه الظروف، يصبح البحار المصاب بالسكري أكثر عرضة للإرهاق السريع، والدوار، واضطراب الرؤية، والتعرق الشديد، وقد يصل الأمر إلى فقدان الوعي نتيجة انخفاض حاد في مستوى السكر. كما أن الإرتفاع المفاجئ في السكر قد يمر أحيانا بصمت، لكنه يترك آثارا تراكمية خطيرة على المدى المتوسط والبعيد. وتتفاقم هذه المخاطر عندما تتغير العادات الغذائية اليومية أو يختل توقيت الوجبات، وهو أمر شائع في الحياة البحرية.
ومع حلول شهر رمضان، تتزايد التساؤلات حول كيفية تدبير الصيام لدى البحارة المصابين بالسكري، في ظل المجهودات البدنية الكبيرة المطلوبة منهم. فالصيام يغيّر نمط الأكل والشرب وعدد الوجبات وتوقيتها، ما يفرض على المريض إعادة ضبط توازنه الصحي بدقة. لذلك يشدد الأطباء على ضرورة تقييم الحالة الصحية قبل اتخاذ قرار الصيام، عبر إستشارة الطبيب المعالج وإجراء الفحوصات اللازمة للتأكد من استقرار مستوى السكر في الدم خلال الأشهر السابقة. كما ينبغي مناقشة إمكانية تعديل جرعات الأدوية أو توقيتها بما يتناسب مع فترتي الإفطار والسحور، مع الالتزام الصارم بالتعليمات الطبية.
إن الإصرار على الصيام دون استشارة طبية، قد يعرّض بعض الفئات لمضاعفات خطيرة، خاصة مرضى السكري من النوع الأول الذين يعتمدون على حقن الأنسولين، أو أولئك الذين يعانون من عدم استقرار مستويات السكر، أو من مضاعفات مزمنة كأمراض القلب والكلى. فالتغير المفاجئ في النظام الغذائي، وقلة السوائل خلال ساعات الصيام الطويلة، والجهد البدني المكثف في عرض البحر، كلها عوامل قد تؤدي إلى هبوط أو ارتفاع حاد في السكر، وهو ما قد يهدد سلامة البحار وحياة طاقم المركب بأكمله.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوعي الصحي كدرع واقٍ للبحار وأسرته. فمن الضروري قياس مستوى السكر بانتظام، قبل الإفطار بساعات، وبعده بساعتين، وقبل السحور، وأثناء النهار إذا استدعت الحاجة، دون الإعتقاد الخاطئ بأن القياس يفطر الصائم. كما يُنصح بتقسيم وجبة الإفطار إلى حصص متوازنة، والإبتعاد عن الإفراط في تناول الحلويات والدهون، والتركيز على الأغذية الغنية بالألياف والبروتينات التي تمنح طاقة مستقرة. ويظل شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور أمرا أساسيا لتفادي الجفاف.
أما من الناحية المهنية، فيستحسن أن يكون نشاط البحار المصاب بالسكري معتدلا قدر الإمكان، مع تفادي الإجهاد المفرط، والتنسيق مع رفاقه لتوزيع المهام بما يحفظ سلامته مع ضرورة إطلاع زملائه بحالته الصحية ، لأن الإنكار يهدد سلامته. كما يُستحسن ألا يخرج في رحلات صيد فردية، بل ضمن طاقم يعي حالته الصحية وقادر على التدخل عند الحاجة. فثقافة التضامن داخل المركب بقدر ما هي قيمة إنسانية، هي إجراء وقائي يحمي الجميع. خصوصا وان صحة البحار مسؤولية جماعية تبدأ بالوعي وتنتهي بالسلوك اليومي السليم. وحين يدرك البحار أن الحفاظ على توازن سكره هو حفاظ على قوته وقدرته على العطاء، يصبح الإلتزام بالتوجيهات الطبية خيارا واعيا لا عبئا مفروضا. فالبحر يحتاج إلى رجال أقوياء، والقوة الحقيقية تبدأ من جسد معافى وعقل مدرك لمخاطر الإهمال.































