السردين المغربي .. إهتمام دولي متصاعد وثروة بحرية تحت الضغط

0
Jorgesys Html test

يشهد السردين المغربي لحظة مفصلية في مساره، فبينما يتزايد الإقبال الدولي على الأسماك المعلبة، وفي مقدمتها السردين، تتراجع الكميات المصطادة في المغرب، الذي يعد أكبر مورد للسردين في العالم. ووفق تقرير نشرته مجلة «فورتشن» الأمريكية، انخفضت المفرغات بالمغرب بنحو 46 في المائة بين عامي 2022 و2024، في مؤشر يعكس حجم الضغوط التي أصبحت تواجه هذا المورد البحري الاستراتيجي.

وتبرز أهمية هذه المعطيات وفق ذات المجلة ،  في سياق عالمي يشهد طفرة في استهلاك الأسماك المعلبة. فقد بلغت قيمة السوق العالمية لهذه المنتجات نحو 10.24 مليار دولار سنة 2024، ويتوقع أن تصل إلى حوالي 17.97 مليار دولار بحلول سنة 2034. أما في الولايات المتحدة، فقد أصبح السردين ثاني أكثر الأسماك المعلبة شعبية بعد التونة، متجاوزا السلمون، فيما سجلت طلبات الأسماك المعلبة عبر منصة «غرابهاب» ارتفاعا بثلاثة أضعاف خلال سنة 2025، بحسب “فورتشن”.

لكن المفارقة تكمن في أن الطلب المتزايد يصطدم بإمدادات بحرية تتقلص تدريجيا. وتربط مجلة «فورتشن» هذا الوضع بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تغير المناخ والصيد المفرط والتلوث وتدهور النظم البيئية البحرية. ويعد السردين من الأنواع شديدة الحساسية للتغيرات الحرارية، إذ تتحرك أسرابه بحثا عن مياه أكثر برودة، وهو ما يؤدي إلى تغير مناطق وجودها ويفرض على الصيادين قطع مسافات أطول للوصول إليها.

ونقلت «فورتشن» عن رشيد صميلا، أستاذ اقتصاد المحيطات والمصايد بجامعة كولومبيا البريطانية، أن ظاهرة انتقال السردين بحثا عن درجات حرارة ملائمة ليست مقتصرة على المغرب، بل سبق رصدها في مناطق أخرى من العالم. ويرى الخبير أن تراجع المصايد المغربية لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تراكم ضغوط بيئية وبشرية، من تغير المناخ إلى الصيد المفرط والتلوث البلاستيكي، بما يجعل تدبير الموارد البحرية أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

وتأتي كلفة الطاقة لتضيف ضغطا جديدا إلى القطاع. فابتعاد السردين عن مناطق الصيد التقليدية يعني رحلات أطول واستهلاكا أكبر للوقود، في الوقت الذي ساهمت فيه التوترات الجيوسياسية، خصوصا الحرب في إيران والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، في رفع أسعار الطاقة عالميا. وتشير «فورتشن» إلى أن تأثير هذه التطورات يصل إلى الصيادين في مناطق بعيدة عن الشرق الأوسط، ومن بينها المغرب، من خلال ارتفاع كلفة الوقود والنقل والتبريد والتجميد.

وهكذا يجد الصياد نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة، أسماك تتحرك إلى مناطق أبعد، ورحلات بحرية أكثر تكلفة، ومردودية أقل ضمانا. ولا يتوقف الأمر عند مرحلة الصيد، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس أيضا على عمليات التجميد والتصنيع والنقل، بما يرفع تكلفة سلسلة القيمة بأكملها.

وتحذر «فورتشن» من أن استمرار هذه الاتجاهات قد يقود إلى معادلة عنوانها «أسماك أقل بأسعار أعلى»، بما يضغط على المستهلكين، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود التي يمثل السردين بالنسبة إليها مصدرا غذائيا مهما للبروتين. كما أن تراجع الموارد قد يؤثر في أنماط التجارة والتصدير ويدفع الدول إلى اتخاذ إجراءات لحماية السوق الداخلية وضمان استقرار الأسعار.

غير أن مستقبل السردين المغربي لا ينبغي أن يختزل في حجم التراجع المسجل حاليا. فالمعطيات نفسها تكشف عن فرصة استراتيجية، لأن ارتفاع الطلب العالمي على السردين يفتح أمام المغرب إمكانات مهمة لتعزيز القيمة المضافة وتطوير الصناعات التحويلية، وتحسين جودة المنتوج ورفع كفاءة سلسلة التبريد والتسويق.

وفي هذا السياق، تبدو حماية المخزون البحري وتعزيز البحث العلمي ورصد التغيرات المناخية وتطوير أساليب صيد أكثر استدامة،  شروطا أساسية للحفاظ على تنافسية القطاع. فالمطلوب مستقبلا ليس فقط اصطياد كميات أكبر، وإنما تحقيق قيمة أكبر من الكميات المتاحة، بما يضمن استدامة المورد ويحافظ على مكانة السردين المغربي في الأسواق العالمية.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا