الصناعة البحرية المغربية ..من طموح المشاريع إلى بناء النسيج الصناعي !

0
Jorgesys Html test

لا يمكن الحديث عن إقلاع حقيقي للصناعة البحرية في المغرب من دون التوقف عند الحلقة التي تبدو في كثير من الأحيان الأقل حضورا في النقاش، لكنها في الواقع قد تكون الأكثر حسما، ويتعلق الأمر بالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة التي يفترض أن تشكل العمود الفقري لأي منظومة صناعية بحرية متماسكة.

ومن هذه الزاوية، اكتسبت الدورة الثانية للمنتدى الوطني للصناعة البحرية، المنعقدة في إطار SISTEP، أهمية خاصة، بعدما اختارت أن تفتتح أشغالها يوم الربعاء الماضي، بنقاش حول تمويل ومواكبة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، بمشاركة وزارة الصناعة والتجارة، ومغرب المقاولات، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والمركز الجهوي للاستثمار لسوس ماسة.

قد يبدو اختيار موضوع التمويل افتتاحا عاديا لمنتدى صناعي، لكنه بالنسبة إلى الصناعة البحرية يحمل دلالات أعمق. فهذا القطاع ليس صناعة خفيفة يمكن إطلاقها بإمكانات محدودة، وإنما مجال يتطلب تجهيزات متخصصة، واستثمارات ثقيلة، وخبرات تقنية، ومعايير دقيقة، وقدرة على الصمود أمام دورات استثمار طويلة وآجال أداء وتموين لا تشبه بالضرورة ما تعرفه قطاعات صناعية أخرى.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط كيف نمول إنشاء شركات بحرية جديدة، وإنما كيف نساعد المقاولات الموجودة على النمو، وتحديث معداتها، ورفع إنتاجيتها، والتحول الرقمي، والابتكار، والحصول على الشهادات المطلوبة، وتكوين مواردها البشرية، ثم الوصول إلى الأسواق الوطنية والدولية.

وهنا تحديدا ينبغي أن يتحول التمويل من مجرد آلية لتوفير السيولة إلى رافعة لبناء القدرة الصناعية. فالمقاولة البحرية التي تحصل على تمويل لاقتناء تجهيز حديث، أو لتأهيل ورشتها، أو لتكوين تقنييها، لا تطور نشاطها فقط، وإنما تضيف لبنة جديدة إلى منظومة صناعية يفترض أن تكون قادرة مستقبلا على تلبية حاجيات أحواض بناء السفن، وشركات الملاحة، والفاعلين المينائيين، وكبار المتعاملين.

وتبرز في هذا السياق أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به مؤسسة مغرب المقاولات في مواكبة هذه الدينامية، خصوصا أن بناء منظومة بحرية وطنية لن يتحقق بالاعتماد على عدد محدود من الشركات الكبرى، بل يحتاج إلى شبكة واسعة من الموردين والمناولين القادرين على تقديم خدمات ومنتجات ذات جودة وتنافسية.

كما أن حضور البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يفتح النقاش على بعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بقدرة الصناعة البحرية المغربية على مواكبة التحولات العالمية، ولا سيما الانتقال الطاقي وخفض الانبعاثات وتطوير تقنيات وحلول أكثر استدامة. وهذه التحولات، وإن كانت تفرض استثمارات إضافية، فإنها تمثل أيضا فرصة أمام المقاولات المغربية لاقتناص أسواق جديدة وبناء تخصصات صناعية واعدة.

أما البعد الترابي، الذي عبر عنه حضور المركز الجهوي للاستثمار لسوس ماسة، فيذكر بأن الصناعة البحرية لا ينبغي أن تظل محصورة في مقاربة مركزية، بل تحتاج إلى أقطاب صناعية ومجالات ترابية قادرة على احتضان الاستثمارات وربط المقاولات الصغيرة والمتوسطة بالمشاريع الكبرى وسلاسل التوريد.

ولعل الرهان الأكبر الذي يطرح نفسه اليوم هو الانتقال من مرحلة عرض برامج التمويل والمواكبة إلى مرحلة ضمان وصولها فعليا إلى المقاولة البحرية. فالمهني لا يحتاج فقط إلى معرفة وجود آلية للدعم، وإنما يحتاج إلى أن تكون المسطرة واضحة، والولوج إليها ميسرا، والقرار سريعا، والتمويل ملائما لطبيعة استثماره وآجاله.

إن بناء صناعة بحرية مغربية تنافسية لا يبدأ وينتهي في أحواض السفن، بل يبدأ أيضا داخل الورش الصغيرة، والمقاولة العائلية، ومكتب الدراسات، ومصنع التجهيزات، وشركة الصيانة والمناولة. ومن هنا، فإن نجاح الرؤية الصناعية البحرية سيقاس بمدى قدرتها على خلق منظومة متكاملة تستطيع فيها المقاولة الصغيرة أن تبدأ، ثم تكبر، ثم تنافس، ثم تصبح بدورها موردا أو شريكا في مشاريع وطنية ودولية.

وبهذا المعنى، فإن وضع تمويل ومواكبة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في صدارة النقاش خلال المنتدى الوطني للصناعة البحرية ليس مجرد اختيار تنظيمي، بل رسالة مفادها أن السفن الكبرى التي نطمح إلى بنائها تحتاج، قبل ذلك، إلى صناعة وطنية كبيرة من حولها، وهذه الصناعة لا يمكن أن تنمو إلا إذا وجدت المقاولة المغربية من يمولها، ويواكبها، ويفتح أمامها الطريق نحو السوق.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا