الصندوق في مواجهة الميزان .. منطق الكيلوغرام يسائل شفافية تسويق المصطادات

0
Jorgesys Html test

يقلم :عبد الخالق جيخ *

ليس الجدل الدائر اليوم بين البيع بالصندوق والبيع بالكيلوغرام مجرد اختلاف تقني حول آلية لتسويق المصطادات البحرية، بل هو في جوهره صراع بين منطقين متناقضين، منطق يسعى إلى تكريس الشفافية والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومنطق آخر يتشبث بممارسات تقليدية أثبتت التجربة أنها كانت مدخلًا واسعًا للإختلالات والتهريب واستنزاف حقوق البحارة والإقتصاد الوطني.

لقد شكّلت ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات بشأن تدبير أسواق السمك وتطبيق مقتضيات قانون حرية الأسعار والمنافسة، نقطة تحول مهمة في مسار إصلاح القطاع، بعدما أكدت ضرورة اعتماد البيع بالمزاد العلني باعتباره الآلية الكفيلة بضمان المنافسة الشريفة وتثمين المنتوجات البحرية، والحد من مظاهر الغموض التي ظلت تلازم بعض حلقات التسويق.

وفي السياق نفسه، إختار المكتب الوطني للصيد البحري أن يواكب هذا التحول برؤية حديثة تستند إلى الرقمنة الشاملة واعتماد الوزن الفعلي بالكيلوغرام، في خطوة تتجاوز مجرد تحديث وسائل البيع إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على توفير معطيات دقيقة حول الإنتاج والمخزون وحركة التسويق، بما ينسجم مع متطلبات الإدارة الذكية وسلاسل التوريد الحديثة.

غير أن هذا المسار الإصلاحي لا يزال يصطدم، بين الحين والآخر، بأصوات تحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ويبرز هذا التوجه بشكل خاص داخل ميناء آسفي، حيث يتجدد مطلب العودة إلى نظام البيع بالصندوق بدل الوزن بالكيلوغرام، وكأن الأمر يتعلق بخيار تنظيمي بسيط، بينما تكشف الوقائع أن المسألة أعمق بكثير من مجرد اختلاف في أسلوب البيع.

فالحديث عن البيع بالصندوق لا ينفصل عن واقع ظل لسنوات يتيح مساحات واسعة للتلاعب بالأوزان والكميات. إذ كثيرًا ما تُحمّل الصناديق بأوزان تفوق سعتها المفترضة، فتصل إلى ستة وعشرين أو ثمانية وعشرين كيلوغرامًا، في حين تُحتسب داخل المزاد على أساس عشرين كيلوغرامًا فقط. والفارق الناتج عن هذه العملية لا يظهر في الوثائق الرسمية، بل يتحول إلى مكاسب غير مشروعة يستفيد منها بعض الوسطاء والمضاربين، بينما يكون الخاسر الأول هو البحار البسيط وصغار المجهزين الذين يدفعون ثمن هذا النزيف اليومي من عرقهم وجهدهم.

وتزداد خطورة هذا الواقع عندما ندرك أن الحقوق الإجتماعية لرجال البحر، ترتبط مباشرة بالقيمة المصرح بها للمبيعات. فكل كمية تُهرَّب خارج النظام الرقمي، أو لا تُحتسب بأوزانها الحقيقية، تعني عمليًا اقتطاعات أقل لفائدة التغطية الصحية والتقاعد، وحرمان آلاف البحارة من حقوقهم المشروعة، وهو ما يحول الإختلال التقني إلى اعتداء صريح على العدالة الاجتماعية.

أما التبرير الذي يربط البيع بالصندوق بضرورة تسريع عمليات الشحن والتفريغ بالنسبة للأسماك السطحية، فلم يعد يقنع أحدًا في ظل التطور الذي عرفته وسائل التدبير الحديثة. فالسيور الناقلة، والموازين الإلكترونية، وأنظمة التتبع الرقمية، أصبحت قادرة على الجمع بين السرعة والدقة والشفافية في آن واحد، وهو ما يجعل التشبث بالنظام القديم فاقدًا لسنده العملي، ويثير أكثر من علامة استفهام حول الدوافع الحقيقية الكامنة وراء الإصرار على استمراره.

ولا يقف الأمر عند حدود الأوزان فقط، بل يمتد إلى تسهيل تمرير الأسماك دون الحجم القانوني، من خلال إخفائها داخل الصناديق بعيدًا عن المراقبة الدقيقة، في حين يفرض نظام الوزن المرقمن عمليات فرز وتدقيق أكثر صرامة، تقلص من فرص التلاعب وتحمي الثروة السمكية من الإستنزاف.

وما يزيد المشهد إثارة للقلق هو أن هذه المطالب تُطرح في كثير من الأحيان في غياب ممثلي البحارة عن دوائر النقاش واتخاذ القرار، بما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الجهة التي تستفيد فعلًا من إعادة إحياء نظام أثبتت التجربة محدوديته، وحول من يدفع الثمن الحقيقي لهذا التراجع عن مسار الإصلاح.

إن مستقبل قطاع الصيد البحري لا يمكن أن يُبنى بمنطق الحنين إلى ممارسات تجاوزها الزمن، ولا بمنح غطاء قانوني لإختلالات أرهقت القطاع لعقود. فالمستقبل تصنعه الشفافية، وتحصنه الرقمنة، وتحميه قواعد المنافسة العادلة، وتستفيد منه الدولة والمهنيون والبحارة على حد سواء. أما العودة إلى البيع بالصندوق، في ظل كل ما راكمه القطاع من إصلاحات، فلن تكون سوى انتصار للعشوائية، ورسالة سلبية في وجه كل الجهود الرامية إلى تحديث هذا الورش الاستراتيجي.

*عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا