القيمرون والمواد الحافظة .. من الجدل إلى سؤال الحلول

0
Jorgesys Html test

عادت إشكالية تدبير جودة القشريات البحرية، وما يرتبط بها من استعمال للمواد الحافظة لاصير النقاش على مواقع التواصل الإجتماعي، في ظل استمرار الجدل  بين متطلبات السلامة الصحية من جهة، والواقع العملي لعمليات الصيد وظروف حفظ المصطادات من جهة أخرى. وهي إشكالية تجاوزت، في مراحل سابقة، حدود النقاش التقني لتصبح موضوع احتجاجات مهنية ولقاءات مع عدد من الفاعلين والمسؤولين، بما يكشف أن الأمر لا يتعلق بمادة كيميائية في حد ذاتها، بقدر ما يتعلق بسؤال أكبر حول الطريقة التي ينبغي أن يُدار بها هذا الملف بما يضمن سلامة المستهلك ويحافظ في الوقت نفسه على جودة المنتوج واستمرارية النشاط الاقتصادي المرتبط به.

وتزداد حساسية هذا النقاش حين يتعلق الأمر بالقشريات، وعلى رأسها القيمرون، وهي منتجات سريعة التأثر بعوامل الزمن والحرارة وظروف التداول، الأمر الذي يجعل المحافظة على جودتها منذ لحظة الصيد إلى غاية وصول المصطادات، إلى وحدات التسويق والتثمين والتصدير تحدياً تقنياً حقيقياً. وفي هذا السياق، برز استعمال ثاني أكسيد الكبريت ومشتقاته، المعروف في التداول المهني بالسولفيت، كإحدى الوسائل المعتمدة للحفاظ على الخصائص الظاهرية والجودة التجارية للقشريات والحد من مظاهر التدهور التي يمكن أن تصيبها خلال الرحلات البحرية والنقل والتخزين.

غير أن ما يبدو حلاً تقنياً في مرحلة من مراحل السلسلة يمكن أن يتحول إلى مصدر إشكال في مرحلة أخرى، عندما لا يتم التحكم في الكميات المستعملة أو في شروط استخدامها. فسلامة الغذاء لا تقبل منطق التساهل، كما أن حماية المستهلك تظل مبدأ غير قابل للمساومة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواد قد تكون لها آثار صحية على فئات معينة من المستهلكين عند تجاوز الحدود المسموح بها. وفي المقابل، فإن مقاربة الملف بمنطق المنع أو الرفض وحده لا تبدو كافية عندما يكون الواقع الميداني نفسه يطرح إكراهات مرتبطة بمدة الرحلات البحرية، ودرجات الحرارة، ومحدودية وسائل التبريد والحفظ المتاحة على عدد من وحدات الصيد.

وهنا تحديداً تبدأ المنطقة الرمادية التي تستحق أن تكون موضوع نقاش هادئ ومسؤول. فالمهني الذي يجد نفسه أمام منتوج سريع التلف لا يبحث بالضرورة عن تجاوز القواعد، وإنما عن وسيلة تضمن له الحفاظ على قيمة مصطاداته إلى حين العودة إلى البر. والإدارة المكلفة بالسلامة الصحية، في المقابل، لا يمكنها أن تتعامل مع المخاطر بمنطق الإستثناء كلما برزت صعوبة ميدانية. وبين هذين الإعتبارين، تبرز الحاجة إلى حلول تجعل احترام قواعد السلامة الصحية ممكناً وقابلاً للتطبيق في الواقع، بدل أن يبقى مجرد مقتضى تنظيمي يصطدم عند التنزيل بتعقيدات البحر والمهنة.

لقد أظهرت النقاشات المهنية التي رافقت هذا الملف منذ مطلع العقد الحالي، أن جزءاً من القلق لا يرتبط باستعمال المادة الحافظة فقط، وإنما يرتبط بالخوف أيضا من رفض المصطادات عند المراقبة، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من خسائر اقتصادية، خصوصاً عندما يكون المنتوج قد قطع مسافة طويلة في البحر واستنزف صاحبه تكاليف وجهداً ووقتاً. ومع تراكم هذه المخاوف، يمكن أن ينشأ مناخ من عدم الثقة، يصبح فيه هاجس الرفض حاضراً منذ لحظة الصيد، بدل أن تكون الجودة وسلامة المنتوج هدفاً مشتركاً لجميع حلقات السلسلة.

وهذا بالضبط ما يجعل إعادة فتح النقاش أمراً ضرورياً، ليس من أجل البحث عن مسؤول عن الأزمة، ولا لتبادل الاتهامات بين المتدخلين، وإنما من أجل طرح السؤال في إطاره الحقيقي، هل تتوفر المنظومة الحالية على الأدوات التقنية والعلمية والمادية التي تمكن المهني من احترام متطلبات السلامة الصحية دون أن يتحول ذلك إلى عبء يفوق قدرته على التحمل؟ فالحديث عن جودة القشريات لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة وصولها إلى فضاء المراقبة. لأن الجودة تُصنع منذ لحظة إخراج المصطاد من البحر، مروراً بطرق التعامل مع المنتوج على متن المركب، ودرجات الحرارة، ومدة الرحلة، ووسائل الحفظ، ثم ظروف الإنزال والنقل والتسويق. ولذلك فإن معالجة المادة الحافظة بمعزل عن هذه السلسلة، قد تجعل النقاش ناقصاً، لأن المادة ليست سوى جزء من منظومة أكبر لتدبير جودة المنتوج.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى استعادة الدور المنتظر من البحث العلمي، ليس في رصد المخاطر كمطلب أساسي، وإنما أيضاً في إنتاج الحلول. فالمؤسسات العلمية والتقنية المعنية بالقطاع البحري يفترض أن تكون حاضرة في مثل هذه الملفات التي تقع عند تقاطع البيئة البحرية، والصيد، وجودة المنتجات، وسلامة الغذاء. والمطلوب دراسة الظروف الفعلية التي تحيط بالمصطادات القشرية، وتحديد أفضل تقنيات الحفظ، وقياس المخاطر، واختبار البدائل، ثم تحويل نتائج البحث إلى بروتوكولات عملية يمكن للمهني تطبيقها في البحر وليس فقط داخل المختبر.

وقد برزت في السنوات الأخيرة، بالفعل توجهات بحثية نحو بدائل ووسائل أخرى للحفاظ على جودة القشريات، سواء من خلال بعض المركبات الطبيعية أو تقنيات التبريد والتجميد السريع وتحسين ظروف التداول والتعبئة. غير أن الانتقال من المختبر إلى المركب  يحتاج إلى كلفة مقبولة، وتجهيزات مناسبة، وتكوين للأطقم، وتجارب ميدانية، ومواكبة تقنية، وربما آليات دعم تجعل الحلول الجديدة قابلة للتعميم بدل أن تبقى حبيسة التجارب أو وحدات الإنتاج الأكثر تجهيزاً.

كما أن تطوير سلسلة التبريد قد يكون جزءاً أساسياً من الحل. فكلما تحسنت القدرة على التحكم في الحرارة والزمن وظروف التداول، تراجعت الحاجة إلى الاعتماد المفرط على المواد الحافظة. لكن ذلك بدوره يفتح سؤال الاستثمار، ومن يتحمل كلفته، وكيف يمكن مساعدة وحدات الصيد على الانتقال التدريجي إلى تجهيزات أكثر ملاءمة لمتطلبات الجودة الحديثة. حيث ظل الرهان قائلا طيلة الولاية الحكومية المنقضية على إطلاق برنامج إبحار جديد ، يتيح للمجهزين عصرنة أسطولهم بمعايير تستجيب للحداثة، ومتطلبات المهنة.

ومن هنا تبقى النظر للمسألة، في نهاية المطاف، ليست كمعركة بين المهنيين ومؤسسات المراقبة، ولا بين حماية المستهلك وحماية مصالح قطاع الصيد. فالهدفان يفترض أن يكونا متكاملين. لأن لا قيمة لمنتوج بحري جيد إذا كان يثير مخاوف صحية، كما أن حماية المستهلك لا ينبغي أن تنفصل عن البحث عن شروط إنتاج وتداول تمكن المهني من احترام القواعد دون أن يجد نفسه أمام خيارات اقتصادية قاسية.

ولعل ما تحتاجه هذه الإشكالية اليوم هو الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق. أي الانتقال من معالجة حالات الرفض والاحتجاج بعد وقوعها إلى بناء منظومة واضحة لتدبير جودة القشريات، تقوم على البحث العلمي، والتواصل، والتكوين، والمراقبة، وتوفير البدائل، وتحديث وسائل الحفظ، مع وضع مسارات انتقالية واقعية عندما تفرض طبيعة المهنة ذلك.

إن إعادة فتح هذا النقاش حول الظاهرة، لا تعني التشكيك في مبدأ السلامة الصحية، بل تعني، على العكس، البحث عن الطريقة الأكثر نجاعة لترسيخه. كما أنها لا تعني منح المهنيين هامشاً مفتوحاً لاستعمال المواد الحافظة، وإنما تعني تمكينهم من الوسائل التي تجعل احترام القواعد ممكناً ومستداماً. وبين هذين الاعتبارين يمكن أن تتشكل مقاربة جديدة، لا تنظر إلى القشريات باعتبارها مجرد مصطادات تحتاج إلى التسويق، وإنما باعتبارها منتوجاً غذائياً تبدأ مسؤوليته الصحية منذ لحظة خروجه من البحر.

وبذلك قد تتحول التراكمات التي أفرزها هذا الملف من مصدر للاحتقان إلى فرصة لإطلاق ورش مؤسساتي وعلمي أوسع، تشارك فيه مختلف حلقات السلسلة، من المهنيين والباحثين إلى أجهزة المراقبة والتسويق والإدارة. فالغاية ليست الانتصار في النقاش، وإنما الوصول إلى صيغة تجعل جودة المنتوج وسلامة المستهلك ومصلحة المهني أهدافاً متلازمة، بدل أن تبدو في كل مرة وكأنها مصالح متعارضة.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا