يتجه التعاون بين المغرب وكوريا الجنوبية نحو فتح آفاق جديدة في الاقتصاد البحري والصناعة البحرية، في ظل تنامي التقارب بين الرباط وسيول وتوسع أجندة الشراكة لتشمل مجالات صناعية وتكنولوجية واستثمارية ذات قيمة استراتيجية. ويبرز هذا المسار بشكل خاص مع تزامن الحوار الاقتصادي بين البلدين مع مباحثات حول بناء السفن والصناعات الدفاعية، بما يعكس اتجاهاً نحو الانتقال بالعلاقات الثنائية من المبادلات التجارية التقليدية إلى شراكات أكثر ارتباطاً بالإنتاج ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الصناعية.

وتبرز هذه الدينامية في الحوار الاستراتيجي الذي جمع، في 15 شتنبر 2026 بالرباط، المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية والمعهد الكوري لسياسات الاقتصاد الدولي، تحت شعار «مستقبل التعاون الاقتصادي بين المغرب وكوريا». وقد شكل اللقاء مناسبة لبحث مجالات قادرة على إعطاء دفعة جديدة للشراكة الثنائية، في مقدمتها الاقتصاد البحري والصناعة البحرية، إلى جانب التمويل الرقمي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والانتقال الطاقي والهيدروجين الأخضر والطاقة النووية المدنية وتنمية الرأسمال البشري.
وتكتسب الصناعة البحرية أهمية متزايدة بالنسبة للمغرب في ظل توجه المملكة إلى تعزيز بنيتها الصناعية واللوجستية وتطوير قدراتها المرتبطة بالبحر والموانئ. وفي هذا السياق، تبدو الخبرة الكورية في بناء السفن والصناعات البحرية مجالاً طبيعياً لتوسيع التعاون، خصوصاً مع تنامي اهتمام الشركات الكورية بالمشاريع الصناعية والمينائية المغربية.
وتتجاوز أهمية هذا المسار الاعتبارات الاقتصادية المباشرة، إذ تتقاطع معه تحولات أخرى في العلاقات المغربية الكورية. فقد شهدت الفترة الأخيرة مباحثات عبر تقنية الاتصال المرئي تناولت سبل تعزيز التعاون في مجالات الصناعات العسكرية وبناء السفن، وذلك في إطار المناقشات المرتبطة باتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة. وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق المصالح المشتركة، في وقت يسعى فيه البلدان إلى استثمار التقارب الاقتصادي في بناء شراكات صناعية وتكنولوجية أكثر عمقاً.
وتشير تقارير إعلامية دولية إلى اهتمام كوري بتعزيز الحضور في المشاريع البحرية المغربية، ولا سيما تلك المرتبطة ببناء السفن وتطوير البنيات الصناعية البحرية، في مقابل اهتمام مغربي بالاستفادة من الخبرة الكورية في الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا والاستثمار الصناعي. وإذا ما تحولت هذه التوجهات إلى مشاريع ملموسة، فإنها قد تمنح التعاون الثنائي بعداً جديداً يجمع بين التصنيع وتطوير المهارات وتعزيز القدرات التكنولوجية.
كما تطرقت تقارير إلى اهتمام مغربي بالخبرات الكورية في الأنظمة البحرية المتقدمة، بما فيها القدرات المرتبطة بالغواصات، غير أن طبيعة هذه الملفات وحساسيتها تجعل تقييم مآلاتها مرتبطاً بما قد يتم الإعلان عنه رسمياً من اتفاقات وبرامج ومشاريع. وفي جميع الأحوال، فإن إدراج بناء السفن ضمن أجندة التعاون الاقتصادي يؤشر على اتساع مساحة المصالح المشتركة نحو قطاع يرتبط في الوقت نفسه بالصناعة واللوجستيك والتكنولوجيا والأمن البحري.
ويأتي ذلك على خلفية توسع الحضور الاقتصادي الكوري في المغرب خلال السنوات الأخيرة. ففي فبراير 2025، حصلت مجموعة «هيونداي روتيم» على صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لتزويد المكتب الوطني للسكك الحديدية بقطارات كهربائية متطورة، في واحدة من أبرز الصفقات الصناعية التي عززت الحضور الكوري في السوق المغربية. كما دخلت شركة «إتش دي هيونداي للصناعات الثقيلة» في تحالف مع مجموعة «صوماجيك» المغربية المتخصصة في بناء الموانئ للمنافسة على مشروع حوض بناء السفن بالدار البيضاء، في خطوة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة لتطوير منظومة صناعية بحرية وطنية.
وتمنح هذه المشاريع للشراكة المغربية الكورية قاعدة عملية يمكن البناء عليها، إذ لم يعد التعاون محصوراً في التجارة وتبادل السلع، بل بات يلامس قطاعات الإنتاج والبنيات التحتية والنقل والصناعة البحرية والتكنولوجيا. كما أن الجمع بين القدرات المغربية من جهة، والخبرة الصناعية والتكنولوجية الكورية من جهة أخرى، يمكن أن يفتح المجال أمام نماذج جديدة من الاستثمار ونقل المعرفة والتكوين الصناعي.
وفي هذا الإطار، لا تبدو الشراكة في الاقتصاد البحري مجرد امتداد للعلاقات الاقتصادية القائمة، بل يمكن أن تتحول إلى إحدى واجهاتها الجديدة، خصوصاً إذا ارتبطت بتطوير سلاسل قيمة محلية، وتكوين الكفاءات، واستقطاب الاستثمارات، وإنتاج حلول موجهة إلى الأسواق الإفريقية. وهي الرؤية التي تنسجم مع الهدف الذي برز خلال حوار المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية والمعهد الكوري لسياسات الاقتصاد الدولي، والمتمثل في الارتقاء بالشراكة المغربية الكورية إلى بعد استراتيجي، بما في ذلك من خلال تعاون ثلاثي يمكن أن يخدم التنمية في إفريقيا.

























