اليوم الدولي للملاحة البحرية .. من السياسة إلى الممارسة

0
Jorgesys Html test

يحتفي العالم بيوم الملاحة البحرية 2026 في ظرف دولي بالغ الحساسية، جعل البحر في قلب التحديات الأمنية والاقتصادية والبيئية التي تواجه العالم، فيما اختارت المنظمة البحرية الدولية شعار «من السياسة إلى الممارسة: الدفع قدماً بالتميز في مجال النقل البحري»، عنواناً لاحتفالات تمتد لأول مرة على مدى عامي 2026 و2027، في تأكيد واضح على أن قوة القواعد البحرية تقاس بقدرتها على التحول إلى إجراءات ونتائج ملموسة فوق السفن وفي الموانئ.

وتكتسب المناسبة هذا العام دلالة خاصة، بعدما دفعت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة عدداً من البحارة إلى مواجهة مخاطر متزايدة، فيما انعكست الاضطرابات البحرية على سلاسل إمداد الطاقة والغذاء والتجارة العالمية. وفي خضم هذه التحولات، أعادت المنظمة البحرية الدولية التأكيد على أن البحارة ينبغي أن يظلوا في صدارة السياسات البحرية، باعتبارهم الحلقة الأساسية التي تختبر على أرض الواقع مدى فعالية القواعد والمعايير الدولية.

ولا يتوقف التحدي عند وضع الاتفاقيات واللوائح، بل يبدأ فعلياً عند تنفيذها. فالمنظومة البحرية الدولية، التي تشمل السلامة والأمن وحماية البيئة وتكوين البحارة وتيسير النقل البحري، تحتاج إلى تشريعات وطنية فعالة، وإدارات مؤهلة، وأجهزة رقابة قادرة، وموانئ مستعدة، وبحارة يتوفرون على التكوين الضروري لمواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع.

ومن هنا يأتي اختيار شعار «من السياسة إلى الممارسة» ليعكس توجهاً عملياً يرمي إلى تضييق الفجوة بين القرار والتنفيذ، عبر التعاون التقني وبناء القدرات وتبادل الخبرات، خصوصاً لفائدة الدول النامية والدول الجزرية الصغيرة وأقل البلدان نمواً. فالتميز البحري، كما تراه المنظمة، لا يعني بلوغ مستوى معين من القواعد ثم التوقف، بل بناء صناعة بحرية آمنة وفعالة ومستدامة، قادرة على التحسن المستمر ومواجهة الأزمات والتحولات المستقبلية.

ويضع هذا المسار المغرب، بحكم موقعه البحري الاستراتيجي وانفتاحه على الأطلسي والمتوسط، أمام رهانات متجددة تتصل بتطوير الموانئ، ورفع كفاءة الملاحة، وتعزيز السلامة البحرية، وحماية البيئة، ومواكبة الرقمنة والتحول الطاقي، إلى جانب دعم التكوين وتأهيل الموارد البشرية. كما يكتسب الموضوع أهمية خاصة بالنسبة إلى الصيد البحري والأنشطة التجارية واللوجستية، التي يرتبط تطورها بمدى قدرة المنظومة البحرية على الجمع بين الكفاءة والاستدامة والسلامة.

وفي رسالة المناسبة، شدد الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز على أن اللوائح لن تجعل النقل البحري أكثر أماناً ومرونة ومراعاة للبيئة إلا إذا جرى تنفيذها على المستوى العالمي، مؤكداً أن الأولوية ينبغي أن تبقى دائماً للبحارة. حيث تحمل هذه الرسالة بعداً مؤسساتياً واضحاً، إذ تراهن المنظمة على أن تتحول الدول الأعضاء من مجرد متلقية للمعايير الدولية إلى شركاء في تنفيذها وتطوير القدرات اللازمة لذلك. ولهذا تشجع المنظمة تنظيم أنشطة وفعاليات طوال 2026 و2027، وتقاسم التجارب والنتائج حول كيفية تحويل السياسات البحرية إلى ممارسات ملموسة،

ويكتمل البعد الرمزي للاحتفال بإضاءة مقر المنظمة البحرية الدولية في لندن باللون الأزرق، في إشارة إلى الالتزام الجماعي بتحويل السياسات البحرية إلى إجراءات عملية. كما دعت المنظمة الدول الأعضاء والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية ذات الصفة الاستشارية إلى الانضمام إلى المبادرة وإضاءة معالمها البارزة، بما يجعل المناسبة محطة للتذكير بأن مستقبل الملاحة لا تصنعه النصوص، وإنما تصنعه القدرة على تنفيذها بكفاءة وعدالة واستمرارية.

ومن المقرر أن تحتضن مدينة بوسان في جمهورية كوريا يومي 26 و27 أكتوبر المقبلين الفعالية الموازية لليوم العالمي للملاحة البحرية لعام 2026، على أن تستضيف الفلبين هذه الفعالية سنة 2027، بما يمدد النقاش حول الموضوع على مدى عامين ويمنحه فرصة للانتقال من الاحتفاء بالمناسبة إلى متابعة النتائج على أرض الواقع. وبذلك، يتجاوز اليوم العالمي للملاحة البحرية طابعه الاحتفالي ليطرح سؤالاً جوهرياً أمام الصناعة البحرية برمتها، كيف تتحول القرارات الدولية إلى ممارسة يومية تحمي الإنسان والبيئة وتضمن انسيابية التجارة؟

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا