بقلم: عبد الخالق جيخ*
شهدت منصات التواصل الإجتماعي مؤخراً تداول مقاطع فيديو تظهر تراجعاً حاداً لمياه البحر في الأرجنتين، وظهور سفن عملاقة عالقة وسط الطين. وسرعان ما ربط البعض هذه الحادثة بما شهدته الشواطئ المغربية العام الماضي من انحسار مماثل، لتبدأ شائعات التخويف والحديث عن التسونامي المقترب، وهي مقارنة لا تستند إلى أي أساس علمي.

فالحقيقة أن الأرجنتين تقع في أقصى نصف الكرة الأرضية الجنوبي، بينما يقع المغرب في النصف الشمالي، والمنظومة الجوية والبحريّة التي أثرت على سواحل الأرجنتين منفصلة تماماً ومستقلة عن المنظومة الخاصة ببلادنا، ولا وجود لأي نشاط زلزالي مسبب للتسونامي في الحالتين. ما حدث في الواقع هو تداخل طبيعي ومؤقت لثلاثة عوامل مناخية وفلكية محددة.
ويتمثل العامل الأول في ظاهرة فلكية دورية تُعرف باسم “Marée de vive-eau” (مد وجزر الربيع الحاد)، وتحدث مرتين كل شهر قمري عندما يكون القمر بدراً أو محاقاً، حيث يصطف القمر والشمس والأرض في خط مستقيم واحد، مما يضاعف قوة الجاذبية المشتركة ويسحب مياه المحيطات بقوة نحو الخلف. ويزداد هذا التأثير عمقاً عندما يتزامن مع ظاهرة “Marée de périgée”، أي عندما يكون القمر في أقرب نقطة جغرافية له من الأرض، مما يرفع قوة سحب المياه إلى حدها الأقصى.
ويرتبط العامل الثاني بالتقلبات الجوية المحلية، حيث تشهد المنطقة الساحلية استقرار مرتفع جوي يعمل ككتلة ثقيلة تضغط على سطح الماء وتدفعه بعيداً نحو المناطق ذات الضغط المنخفض، وتتزامن معه رياح برية قوية تهب من قلب اليابسة نحو عمق البحر، مما يساهم في إزاحة المياه السطحية عن الشاطئ بشكل مرئي. أما العامل الثالث فله علاقة بطبيعة الشواطئ الضحلة التي تميز سواحل الأرجنتين والعديد من السواحل الأطلسية في المغرب؛ حيث تتميز بانحدار طفيف جداً وغير عميق، مما يجعل أي انخفاض بسيط في منسوب المياه العام يظهر على شكل تراجع كبير يمتد لعشرات الأمتار ، ويكشف عن القاع الرملي أو الصخري الذي كان مغموراً.

أما بخصوص المشاهد الصادمة لسفن عملاقة جاثمة فوق الطين الجاف، فالحقيقة أنها مقاطع مأخوذة من شاطئ “Alang” في الهند، وهو أكبر ساحة في العالم لتفكيك وتدوير السفن القديمة. ويستغل العمال هناك ظاهرة الجزر الطبيعي الشديد لإدخال السفن المتهالكة وركنها فوق الوحل لبدء تقطيعها، وقامت بعض الصفحات بتركيب عناوين كاذبة وموسيقى تصويرية مرعبة لجمع التفاعلات والمشاهدات على حساب خوف الناس.
وللطمأنينة، يمكن لأي شخص التمييز بسهولة بين الجزر الطبيعي وبداية التسونامي؛ فالجزر الطبيعي الدائري يحدث ببطء شديد ويمتد على مدار ساعات طويلة بناءً على مواقيت الفلك المعروفة ولا يسبقه أي نشاط زلزالي. في المقابل، فإن تراجع مياه التسونامي يحدث فجأة وبسرعة البرق في غضون دقائق معدودة، ويكون مسبوقاً دائماً بهزة أرضية عنيفة تشعر بها السواحل، ويعقبه فوراً ارتداد مدمج للأمواج العاتية نحو اليابسة.
ومن أجل الإحاطة فالمحيطات تتبع دورات طبيعية منتظمة منذ آلاف السنين، والمياه تعود دائماً إلى مجاريها الطبيعية بعد انتهاء فترة الجزر، فلا تسمحوا لصفحات السعي وراء التفاعل بتجارة الخوف، واعتمدوا دائماً على المصادر العلمية والرسمية للأرصاد الجوية.
*عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون البحر

























