بقلم: عبد الخالق جيخ *
ليس كل قرار إداري صحيحًا لمجرد أنه يحقق نتيجة تراها الإدارة مناسبة، ولا كل نزاع يُحسم بالنظر إلى الأشخاص أو إلى ما يحيط بالقضية من ضجيج. ففي دولة القانون، يظل السؤال الأكثر أهمية سابقًا لكل الأسئلة الأخرى، ما هو السند القانوني الذي استند إليه القرار عند صدوره؟ هذا السؤال عاد إلى الواجهة بقوة بعد الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير في قضية السفينة “TRAVISIA”، وهو حكم أعاد التذكير بقاعدة تبدو بديهية، لكنها كثيرًا ما تضيع وسط الجدل مفادها أن مشروعية القرار الإداري لا تُقاس فقط بما ينتهي إليه، وإنما تُبنى أساسًا على مدى احترامه للنصوص القانونية وللمسطرة التي رسمها المشرع.

ومن هذا المنطلق، عاد إلى دائرة النقاش ملف رخصة استبدال مركب الصيد “جبو الله”. وإثارة هذا الملف لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دفاعًا عن صاحبه، ولا تشكيكًا في موقف الإدارة، ولا محاولة لإستباق ما قد يقوله القضاء إن عُرض عليه النزاع. فالقضاء وحده صاحب الإختصاص في الفصل بين الخصوم، بينما يبقى من حق الرأي العام، ومن واجب المهتمين بالشأن القانوني، مناقشة الأساس القانوني الذي بُنيت عليه القرارات الإدارية.
فجوهر النقاش هنا ليس الأشخاص، وإنما النصوص. فالإدارة بررت رفض طلبات استبدال المركب، وفق ما ورد في بيانها الرسمي، بكون الأجل القانوني لإيداع الطلب قد انقضى، بعدما كان المركب قد توقف عن النشاط سنة 1995 وهُدم سنة 1999، وتوالت قرارات الرفض خلال سنتي 1999 و2000، ثم جُدد الرفض سنة 2020، وأُكد بمراسلة سنة 2022. غير أن هذا التعليل يفتح بابًا قانونيًا مشروعًا للنقاش: ما هو النص القانوني أو التنظيمي الذي كان يحدد هذا الأجل عندما صدرت قرارات الرفض الأولى في سنتي 1999 و2000؟
ويبقى هذا هذا السؤال في صميم الرقابة على مشروعية القرار الإداري. فمن المبادئ الراسخة في دولة الحق والقانون أن الإدارة لا تستمد سلطتها من الإجتهاد أو العرف الإداري أو التعليمات الداخلية، وإنما من النصوص القانونية والتنظيمية النافذة وقت اتخاذ القرار. وتبرز هنا أهمية مبدأ تدرج القواعد القانونية، الذي يشكل إحدى ركائز النظام القانوني. فالدستور يتربع على قمة الهرم، تليه القوانين التي يصدرها البرلمان، ثم المراسيم التنظيمية، فالقرارات التنظيمية، بينما تبقى الدوريات والمذكرات الإدارية مجرد وسائل داخلية لتنظيم العمل الإداري وتوحيد التطبيق، دون أن تملك سلطة إنشاء قواعد قانونية جديدة أو فرض شروط وآجال لم ينص عليها القانون أو المرسوم.
هذه ليست مسألة نظرية تهم المختصين وحدهم، بل ضمانة أساسية لحماية الحقوق وتحقيق الأمن القانوني. إذ لا يجوز، من حيث المبدأ، أن تحل مذكرة محل قانون، أو أن تضيف إلى المرسوم ما لم يرد فيه، أو أن تُرتب آثارًا قانونية لم يقررها المشرع. وتزداد أهمية هذا النقاش إذا استحضرنا التسلسل الزمني للنصوص المنظمة للقطاع. فالقانون رقم 59.14 المتعلق باقتناء سفن الصيد البحري وبنائها وترميمها لم يدخل حيز التنفيذ إلا سنة 2016، بينما صدر المرسوم رقم 2.20.147 المحدد لكيفيات تطبيقه سنة 2020. ومن ثم، فإن الاحتجاج بأجل قانوني بالنسبة لقرارات صدرت قبل وجود هذه المنظومة القانونية يقتضي، بطبيعة الحال، بيان السند القانوني الذي كان نافذًا آنذاك، إذا كان موجودًا.
وإذا ثبت أن هذا السند كان منصوصًا عليه في قانون أو مرسوم نافذ وقت اتخاذ القرار، فإن الأمر يصبح واضحًا من الناحية القانونية. أما إذا كان التعليل قد استند إلى دورية أو مذكرة إدارية لا ترقى إلى مرتبة النص التنظيمي الملزم، فإن التساؤل حول مشروعية القرار لا يكون تشكيكًا في الإدارة، بل ممارسة طبيعية للرقابة القانونية التي يكرسها الدستور والقضاء الإداري. ولعل هذا هو الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من حكم TRAVISIA. فالقضية لم تكن انتصارًا لطرف على آخر، بقدر ما كانت تأكيدًا على أن الإدارة، مثلها مثل الأفراد، تخضع لمبدأ المشروعية، وأن القضاء الإداري لا يراقب النتائج وحدها، بل يتحقق أيضًا من وجود السند القانوني، واحترام المسطرة، وسلامة التعليل، وحماية استقرار المراكز القانونية.
إن قوة دولة القانون لا تقاس بعدد القرارات التي تصدرها الإدارة، وإنما بمدى قدرة تلك القرارات على الصمود أمام رقابة القضاء. فالقرار الإداري يكتسب شرعيته من النص الذي يؤسسه، لا من النية التي تقف وراءه، ولا من القناعة بوجاهة مضمونه. لذلك يبقى السؤال القانوني الأكثر بساطة هو أيضًا الأكثر حسمًا: ما هو النص القانوني الذي كان نافذًا وقت صدور القرار؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، استقرت المشروعية. أما إذا ظلت غامضة، فإن استمرار النقاش القانوني لا يكون تشكيكًا في المؤسسات، بل تعبيرًا عن حيوية دولة تجعل القانون، لا أي اعتبار آخر، الفيصل بين الجميع.
*عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

























