بين قرار الإغلاق وقرار التمديد .. مصيدة الأخطبوط تفجّر جدل صناعة القرار القطاعي

6
Jorgesys Html test

لا يمكن لأي مهتم بشؤون الصيد والبحر بالمملكة أن يتجاوز حالة الارتباك التي باتت تطبع تدبير بعض الملفات داخل قطاع الصيد، خصوصا بعدما كشفت القرارات الأخيرة عن مفارقة لافتة في طريقة صناعة القرار الإداري وتدبيره. فقد جاء صدور القرار PLP-10/26، الذي ألغى القرار PLP-9/26 الصادر يوم الإثنين الماضي ، ومدد الموسم الصيفي إلى غاية التاسع من شتنبر المقبل بدل 31 غشت الذي تم إعلانه مطلع هذا الأسبوع، أي بعد ثلاثة أيام فقط من القرار الأول، وهي مدة تزداد دلالتها بالنظر إلى أن يومي الثلاثاء والأربعاء تزامنا مع عطلة رسمية بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف.

هذه السرعة في الإنتقال من الإغلاق إلى التمديد تطرح، قبل أي شيء آخر، سؤالا جوهريا حول الأسس والمعطيات التي بُني عليها القرار الأول الذي أمر المركب بمغادرة البينيا مع بداية الشهر القادم، ثم حول طبيعة التطورات التي استدعت التراجع عنه بهذه السرعة. فإذا كان ما ورد في المادة الثانية من القرار الأول مجرد خطأ أو سهو في الصياغة، فإن التصحيح الإداري كان يمكن أن يتم بالإشارة الصريحة إلى ذلك، بدل الدخول في مسار يوحي بأن الأمر يتعلق بقرار جديد، ألغى قرارا لم يمض على صدوره سوى وقت وجيز. أما إذا كان التراجع نتيجة مستجدات ميدانية أو علمية أو مهنية، فإن الرأي العام والمهنيين من حقهم أن يعرفوا طبيعة هذه المستجدات التي قلبت الموقف الإداري في ظرف قياسي.

المسألة هنا لا تتعلق بمجرد تغيير في تاريخ موسم الصيد، ولا بخلاف تقني حول موعد الإغلاق والتمديد، وإنما بما يكشفه هذا التغيير من إشكال أعمق يرتبط بصورة القرار الإداري ومصداقيته. فالإدارة، حين تتخذ قرارا في قطاع حساس كقطاع الصيد، يفترض أن تكون قد استندت إلى منظومة متكاملة من المعطيات العلمية والتقنية والمهنية، وأن تكون قد استحضرت مختلف السيناريوهات الممكنة قبل إصدار قرارها. ولذلك فإن سهولة العدول عن قرار اتخذ قبل أيام قليلة تضع علامات استفهام حول المسار الذي سبق اتخاذه، وحول مدى حضور مختلف الآليات التي يفترض أن تؤطر صناعة القرار. ولعل المفارقة الأكبر أن هذا التحول حدث في وقت قياسي، في حين أن القرارات المرتبطة بتدبير الموارد البحرية عادة ما تفرضها سياقات مركبة، تحتاج إلى التشاور والدراسة واستحضار المعطيات العلمية وحسابات الميدان وتوازنات القطاع. لذلك يصبح السؤال مشروعا،  أين كانت كل هذه الآليات حين صدر القرار الأول؟ وما الذي استجد خلال أيام قليلة حتى أصبح ما كان مرفوضا أو غير مناسب بالأمس مقبولا اليوم؟

وقد فتح هذا المسار الباب أمام قراءات متعددة، وصلت لدى البعض إلى حد تفسير التراجع باعتباره مناورة ذات أبعاد انتخابية.. وبصرف النظر عن صحة هذه القراءة من عدمها، فإن مجرد انتشارها في الوسط المهني يعكس حجم الإلتباس الذي أحدثته طريقة تدبير الملف. فحين تغيب التفسيرات الإدارية الواضحة، تترك الساحة للتأويلات، وحين يصبح القرار قابلا للتراجع بهذه السرعة، تتسع المسافة بين ما تقوله الإدارة وما يعتقده الفاعلون في الميدان.

وضمن المفارقة أن المطالب المهنية كانت، في مناسبات عديدة، تصطدم بقرارات إدارية ظلت الإدارة متمسكة بها، ومدافعة عنها بكل الوسائل، حتى عندما كانت كلفة القرار على المهنيين مرتفعة. أما اليوم، فيبدو أن العدول عن القرار أصبح أسهل من اتخاذه، وهو ما لا يخدم صورة الإدارة ولا يعزز الثقة في آليات اشتغالها. فالقوة الإدارية لا تقاس بالقدرة على إصدار القرار فقط ، وإنما أيضا بقدرتها على الدفاع عنه، وشرح أسسه، وتحمل مسؤوليته، ثم مراجعته عندما تفرض المعطيات الموضوعية ذلك، مع تقديم تفسير واضح للرأي العام والمهنيين.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال لا ينبغي أن يُختزل في البحث عن الجهة التي ربحت معركة التمديد أو الجهة التي خسرت معركة الإغلاق، لأن جوهر القضية أكبر من ذلك. ما يهم هو معرفة من يصنع القرار داخل القطاع، ومن يملك الكلمة الفصل عندما تتعارض الإعتبارات العلمية والإدارية والمهنية والسياسية. فإذا كانت الإدارة، بناء على معطياتها، قد اتجهت نحو الإغلاق، وكان المعهد الوطني للبحث في الصيد قد وفر الأساس العلمي لذلك، بينما اعترض جزء من المهنيين على القرار، ثم انتهى الأمر إلى التمديد، فإن النقاش يصبح حتما متعلقا بترتيب مراكز التأثير داخل منظومة القرار.

وهنا تحديدا تبرز إشكالية العلاقة بين السياسي والإداري والعلمي والمهني. فالمسؤول السياسي يحدد التوجهات العامة ويتحمل المسؤولية السياسية، والإدارة تمتلك الخبرة والآليات التنفيذية، والمؤسسة العلمية توفر المعطيات التي يفترض أن تحمي القرار من الارتجال، بينما يحمل المهنيون معرفة ميدانية ومصالح مباشرة ينبغي أن تكون حاضرة في النقاش. لكن الخلل يبدأ عندما ينقلب هذا التوازن إلى تغليب طرف على آخر، أو عندما يصبح القرار نتيجة ضغط ظرفي بدل أن يكون خلاصة مسار مؤسساتي واضح.

وقد زاد منسوب الجدل مع تداول أن  قرار العدول عن الإغلاق والتمديد تسرب من لقاء حزبي بإمسوان، وهو معطى، إن صح، يزيد الحاجة إلى التوضيح المؤسساتي، لأن توقيت الإعلان عن القرار ومصدره قبل صدوره رسميا يفتحان تلقائيا باب السؤال حول حدود التداخل بين الفعل السياسي والقرار الإداري. فالمطلوب ليس نفي السياسة عن تدبير قطاع عمومي، فهذا أمر غير واقعي، وإنما ضمان ألا تتحول الاعتبارات السياسية إلى بديل عن المساطر العلمية والإدارية التي يفترض أن تؤسس القرار.

والواقع أن القضية أصبحت أكبر من تاريخ 09 من شتنبر أو تاريخ 31 غشت. إنها قضية ثقة في القرار العمومي. فالقرار الذي يُتخذ اليوم يجب ألا يبدو وكأنه قابل للتعديل غدا تحت ضغط الظرف أو الميدان أو الحسابات السياسية. وإذا كانت المعطيات العلمية والميدانية قد تغيرت فعلا، فليكن ذلك مبررا ومعلنا. وإذا كان القرار الأول قد تضمن خطأ، فلتتحمل الجهة المعنية مسؤولية تصحيحه بوضوح. أما أن ينتقل القطاع من الإغلاق إلى التمديد في ظرف قياسي دون أن يتلقى المهنيون والرأي العام تفسيرا مقنعا، فإن ذلك يضعف القرارين معا، ويجعل السؤال حول طريقة صناعة القرار أهم من القرار نفسه.

لسنا هنا بصدد تصفية حسابات مع أحد، ولا التشكيك في حق الإدارة في مراجعة قراراتها، بل على العكس، فالخط التحريري ظل دائما مؤمنا بأهمية الإدارة ودورها في صناعة القرار العمومي، بما تتوفر عليه من آليات ومؤسسات وخبرة، وبما يفترض أن تستند إليه من بحث علمي وتشاور مهني وتقدير دقيق لتوازنات القطاع. لكن الدفاع عن قوة الإدارة لا يعني السكوت عن مواطن الضعف التي قد تظهر في طريقة اشتغالها، بل إن قوة المؤسسة تبدأ من قدرتها على مراجعة نفسها، وتقديم أجوبة واضحة عندما تثير قراراتها علامات استفهام.

وفي قطاع بحساسية قطاع الصيد ومصيدة إسترتيجية منظمة بمخطط تدبير ، حيث تتقاطع حماية الثروة البحرية مع المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمهنيين، لا يمكن أن يكون القرار رهينا بمنطق شد الحبل أو بردود الفعل. المطلوب هو مسار مؤسساتي يجعل العلم أساسا، والإدارة إطارا، والمهني شريكا، والسياسة مسؤولة عن التوجيه لا عن الحلول محل المؤسسات. أما إذا أصبح الانتقال من قرار إلى نقيضه يتم في غضون أيام، فإن الخطر لا يكمن فقط في مضمون القرار، بل في الرسالة التي تصل إلى الميدان،  هل نحن أمام إدارة تصنع القرار وتدافع عنه، أم أمام قرار يتشكل تحت ضغط من يملك القدرة الأكبر على التأثير؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي فرضته هذه الواقعة، وهو سؤال لا ينبغي أن يخيف أحدا، لأن النقاش حوله ليس استهدافا للإدارة ولا انتصارا لفئة مهنية على أخرى، وإنما دفاع عن مبدأ بسيط، مفاده أن كلما كان القرار العمومي أكثر وضوحا في منطلقاته، وأكثر صرامة في مساطره، وأكثر شفافية في مراجعته، ازدادت الثقة فيه. أما حين يغيب التفسير، فإن الفراغ لا يبقى فارغا، بل تملؤه التأويلات، وتتحول واقعة إدارية بسيطة إلى معركة حول من يملك القرار ومن يوجهه، وهو ما يحتاج اليوم إلى جواب مؤسساتي واضح لا إلى مزيد من الصمت.

Jorgesys Html test

6 تعليق

  1. للتذكير. شتنبر 2016.
    إدارة الصيد البحري مدعوة للإجابة على هذه الأسئلة.
    تُعد مديرية الصيد البحري الجهة المسؤولة عن تقديم معطيات دقيقة وحديثة ومبنية على بيانات علمية وتشخيصات ميدانية لتبرير قراراتها وتدابيرها التنظيمية.
    https://albahrnews.com/%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%87/
    هل تنجح المقتضيات الجديدة في منح الجهات الأدوات القانونية والمالية الكفيلة بقيادة التنمية الترابية واستقطاب المزيد من الاستثمارات..؟
    https://iktissadkom.ma/eco-natio/%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D9%84-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%AA%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D9%88%D9%8A
    يُعد قانون الجهات الجديد (المصادق عليه في إطار تعديل القانون التنظيمي رقم 14-111) خطوة هامة في المغرب لنقل الجهوية المتقدمة إلى مرحلة النجاعة والتدبير المرن.
    https://www.collectivites-territoriales.gov.ma/ar/asdarat/alqanwn-altnzymy-almtlq-baljhat

  2. Cap à suivre…
    Qui est le Gestionnaire des pêcheries..?
    Les Directives techniques pour une pêche responsable (FAO, 1999) indiquent que les institutions responsables de l’aménagement des pêcheries ont deux grandes composantes: l’autorité chargée de l’aménagement des pêcheries et les parties intéressées.
    Les pêcheurs et les entreprises de pêche sont habituellement les principaux participants parmi les parties intéressées.
    Une autorité d’aménagement des pêcheries peut ne pas dépendre directement du gouvernement central, mais par exemple de la province ou de la région, ou bien elle peut être parastatale ou privée.
    https://openknowledge.fao.org/server/api/core/bitstreams/a509adbf-edfe-449a-a437-148fb77d2318/content/y3427f03.htm#bm03.4
    Comprendre la gestion de la pêche maritime professionnelle.
    La pêche maritime professionnelle est gérée par de nombreux acteurs, du niveau européen à l’échelon local.
    https://www.bretagne-peches.org/comprendre-la-gestion-de-la-peche-maritime-professionnelle/
    Le chalutage de fond est durable (quand il est bien géré).
    https://sustainablefisheries-uw.org/un-nouvel-article-de-revue-de-la-litterature-montre-que-le-chalutage-de-fond-est-durable-quand-il-est-bien-gere/
    La cogestion des pêches est une approche partenariale dans laquelle le gouvernement et les utilisateurs des ressources halieutiques se partagent la responsabilité et l’autorité de la gestion d’une ou de plusieurs pêcheries dans une région donnée, sur la base d’une collaboration entre eux et avec d’autres parties prenantes.
    https://sustainablefish.org/fr/fisheries-governance-and-livelihoods/support-for-fishing-communities/co-management-in-small-scale-fisheries/
    Stratégies de pêche.
    Gestion de la pêche au 21e siècle.
    Des systèmes bien conçus favorisent la santé des pêcheries sur le long terme
    https://www.pew.org/fr/research-and-analysis/issue-briefs/2019/11/harvest-strategies-21st-century-fisheries-management

  3. أفرزت انتخابات الثامن شتنبر الجاري خريطة سياسية جديدة بالمملكة المغربية.
    وتبعاً لنتائجها، جرت طيلة الأيام الماضية مشاورات حثيثة لتشكيل التحالفات وتكوين الأغلبيات فضلُا عن انتخاب رؤساء المجالس المنتخَبة سواءٌ على الصعيد المحلي (الجماعات الترابية) أو على المستوى الجهوي.
    https://ar.industries.ma/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-8-%D8%B4%D8%AA%D9%86%D8%A8%D8%B1-%D9%87%D8%B0%D9%87-%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D8%B3%D8%A7%D8%A1/

  4. ندوات العمل الجهوية في إطار برنامج تقوية كفاءات المنتخبين والمسؤولين الجهويين، المسمى برنامج التدريب الفرنسي المغربي (جهات 2021).
    https://www.regions-maroc.ma/ar/%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D9%88%D9%8A-%D8%A8%D8%B1%D9%86/

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا