تجارة المنتجات البحرية بالجملة على موعد مع إطار قانوني جديد يعيد رسم قواعد المهنة

0
Jorgesys Html test

أحالت الحكومة على مجلس النواب مشروع القانون رقم 36.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 14.08 المتعلق ببيع السمك بالجملة، في خطوة تفتح صفحة جديدة في تنظيم تجارة المنتجات البحرية بالمغرب، بعدما حمل المشروع مراجعة شاملة للإطار القانوني المؤطر للنشاط، من خلال إحداث رخصة جديدة لمزاولة المهنة، وتوسيع نطاق القانون ليشمل مختلف المنتجات البحرية، إلى جانب تشديد شروط الولوج إلى المهنة، وإعادة صياغة منظومة المراقبة والعقوبات بما ينسجم مع التحولات التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة.

ويأتي المشروع، الذي أحيل الثلاثاء الماضي على لجنة القطاعات الإنتاجية عقب مصادقة مجلس الحكومة عليه قبل ثلاثة أشهر ، استجابة لحاجة طال انتظارها داخل الأوساط المهنية، بعد أن أبان القانون الحالي، الذي ظل يؤطر تجارة السمك بالجملة لأزيد من عقد ونصف، عن محدوديته في مواكبة التطور الذي شهدته منظومة تسويق المنتجات البحرية، سواء على مستوى تنوع المنتجات أو تطور قنوات التسويق ومتطلبات السلامة الصحية والتتبع والشفافية.

ويبرز من خلال مقتضيات المشروع، أن المشرع لم يقتصر على مراجعة بعض المواد القانونية، بل اختار إعادة بناء فلسفة النص من أساسها، بدءا بإستبدال مفهوم “بيع السمك بالجملة” بمفهوم “تجارة المنتجات البحرية بالجملة”، وهو تحول يتجاوز البعد الإصطلاحي ليكرس توسيع دائرة التطبيق لتشمل كافة المنتجات البحرية ذات الأصل الحيواني أو النباتي، سواء كانت ناتجة عن الصيد البحري أو عن تربية الأحياء المائية البحرية، كيفما كانت طريقة عرضها أو توضيبها أو وجهتها التجارية.

ويضع المشروع الرخصة الجديدة في صلب المنظومة التنظيمية، حيث يجعل مزاولة تجارة المنتجات البحرية بالجملة، رهينة بالحصول على “رخصة تجارة المنتجات البحرية بالجملة”، تمنحها الإدارة المختصة للأشخاص الذاتيين والإعتباريين المستوفين للشروط القانونية. كما يربط الولوج إلى النشاط بالتوفر على مؤهلات أو خبرة مهنية في مجالات الصيد البحري أو تربية الأحياء المائية أو تجارة المنتجات البحرية، إلى جانب التسجيل في السجل التجاري أو السجل المحلي للتعاونيات بالنسبة للتعاونيات المهنية، واستغلال محلات أو وسائل نقل تستجيب لشروط الترخيص والاعتماد الصحي.

وفي مقابل تشديد شروط الولوج إلى المهنة، حافظ المشروع على خصوصية مجهزي سفن الصيد البحري، إذ خول لهم الاستمرار في تسويق المنتجات المتأتية حصريا من السفن التي يجهزونها، مع إعفائهم من بعض الالتزامات المرتبطة بالتسجيل التجاري والحد الأدنى للمعاملات، في توجه يروم مراعاة خصوصية هذه الفئة داخل المنظومة التسويقية.

ومن بين أبرز المستجدات التي حملها المشروع أيضا، إعادة تنظيم العلاقة الإدارية بين المهنيين والإدارة الوصية، من خلال إلزام التجار بالتصريح بكل تغيير يطرأ على البيانات المرتبطة بالرخصة أو البطاقة المهنية داخل أجل ثلاثين يوما، مع إقرار إلتزام مقابل على الإدارة بتحيين هذه الوثائق داخل الأجل نفسه، فضلا عن تحديد مدة صلاحية الرخصة والبطاقة المهنية في ست سنوات قابلة للتجديد وفق شروط محددة، مع تنظيم مسطرة تسليم النظائر وحالات انتقال الرخصة مؤقتا إلى ذوي الحقوق بعد وفاة المستفيد.

كما يعزز المشروع آليات تتبع نشاط التجار، عبر إلزامهم بالإدلاء سنويا بالمعطيات المتعلقة بمعاملاتهم ونشاطهم المهني، وهي المقتضيات التي تراهن عليها الإدارة لتوفير قاعدة بيانات دقيقة حول تجارة المنتجات البحرية، وتمكينها من تتبع دينامية السوق، ومحاربة الممارسات غير المهيكلة التي ظلت تشكل أحد أبرز التحديات المطروحة داخل القطاع.

وفي الجانب الرقابي، اعتمد المشروع مقاربة أكثر صرامة، حيث ربط استمرار الإستفادة من الرخصة باحترام الإلتزامات القانونية والتنظيمية، فنص على تعليقها في حالة الإخلال ببعض الواجبات، قبل اللجوء إلى السحب النهائي في حالات محددة، من بينها التوقف عن النشاط لمدة اثني عشر شهرا متتالية دون مبرر مشروع، أو عدم بلوغ الحد الأدنى السنوي للنشاط، أو الإدلاء بمعطيات مضللة للحصول على الرخصة، مع حرمان المخالفين من الاستفادة من رخصة جديدة لمدة قد تصل إلى سنتين بحسب طبيعة المخالفة.

ولم يغفل المشروع الجانب الزجري، إذ يقترح مراجعة سلم العقوبات المالية بشكل لافت، لترتفع الغرامات في بعض المخالفات إلى 200 ألف درهم، خصوصا في حالات ممارسة النشاط دون رخصة، أو استعمال محلات ووسائل نقل غير معتمدة صحيا، أو اقتناء المنتجات البحرية خارج فضاءات العرض الأول، أو الاستمرار في النشاط رغم تعليق الرخصة أو سحبها، فضلا عن معاقبة كل أشكال التحايل المرتبطة باستعمال البطاقات المهنية، أو انتحال صفة تاجر المنتجات البحرية بالجملة دون سند قانوني.

ويحافظ المشروع، في المقابل، على مبدأ الانتقال التدريجي نحو المنظومة الجديدة، إذ يقترح استمرار العمل بالرخص والبطاقات الحالية إلى حين تعويضها بالرخص الجديدة، وفق الكيفيات التي سيحددها النص التنظيمي، بما يضمن انتقالا سلسا دون التأثير على السير العادي للمعاملات التجارية أو استقرار أسواق المنتجات البحرية. فيما يعكس هذا المشروع توجها نحو إرساء إطار قانوني أكثر ملاءمة لواقع تجارة المنتجات البحرية، يقوم على توسيع مجال التقنين، ورفع متطلبات المهنية، وتعزيز آليات التتبع والمراقبة، بما يؤهل منظومة التسويق لمواكبة التحولات التي يعرفها قطاع الصيد البحري، ويعزز شروط الشفافية والتنافسية داخل واحدة من أهم حلقات سلسلة تثمين المنتجات البحرية بالمملكة.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا