تعقيدات إستيراد الصفائح البحرية تهدد تنافسية أوراش الصناعة البحرية بالمغرب

0
Jorgesys Html test

أجمع مختلف المتدخلين المشاركين في الورشة التقنية حول التنظيمات المؤطرة لاستيراد الصفائح البحرية والتجهيزات الموجهة للصناعة البحرية، التي نظمت يوم الخميس 10 شتنبر الجاري ضمن فعاليات المنتدى الوطني للصناعة البحرية، على ضرورة مراجعة وتطوير عدد من التنظيمات والمساطر المرتبطة باستيراد المعدات البحرية، وفي مقدمتها الصفائح البحرية، التي تشكل إحدى أهم المواد الأساسية التي تحتاجها الأوراش المتخصصة في صناعة وإصلاح السفن.

ويأتي هذا النقاش في سياق متنامي تتطلع فيه المملكة إلى ترسيخ صناعة بحرية وطنية قادرة على رفع تنافسية المقاولات، وتطوير قدراتها الإنتاجية، وتقليص كلفة المشاريع، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها الصناعة الوطنية، ومع الطموح إلى جعل المغرب فاعلا أكثر حضورا في سلاسل القيمة المرتبطة بالاقتصاد الأزرق والصناعات البحرية. وقد شكلت الورشة التقنية مناسبة لمقاربة مختلف الجوانب التنظيمية المرتبطة باستيراد الصفائح البحرية والتجهيزات الموجهة للصناعة البحرية، باعتبارها قضية تتجاوز بعدها الإداري والتقني لتلامس بشكل مباشر تنافسية المقاولات وكلفة الإنتاج وسلاسة سلاسل التوريد وآجال تنفيذ المشاريع.

وانصب النقاش على التنظيم الجمركي ودور إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، وإجراءات الاستيراد، ودور مكاتب المراقبة، فضلا عن المعايير المغربية المطبقة على المعدات التقنية والقيود التنظيمية التي يتعين على الفاعلين في القطاع أخذها بعين الاعتبار. ويعكس إدراج هذا الموضوع ضمن برنامج المنتدى توجها واضحا نحو معالجة عدد من العراقيل التشغيلية التي قد تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تترك آثارا مباشرة على قدرة المقاولات على الوفاء بالتزاماتها، وعلى كلفة المشاريع وآجال إنجازها، وبالتالي على موقع الصناعة البحرية المغربية في سوق دولية شديدة التنافسية.

وفي هذا السياق، أكدت أمينة الوزاني، رئيسة قسم تتبع عمليات المراقبة بوزارة الصناعة والتجارة، أن حضور الوزارة خلال هذه الورشة يندرج ضمن مسعى لتقديم التوضيحات اللازمة بشأن مسطرة المراقبة التي تخضع لها المنتجات الصناعية عند استيرادها، والرد على مختلف التساؤلات التي يطرحها الفاعلون في قطاع الصناعة البحرية. وأوضحت أن الهدف الأساسي من هذا اللقاء يتمثل في فتح نقاش مباشر مع المهنيين وتوضيح المساطر والإجراءات المعمول بها، مؤكدة استعداد الوزارة لمواصلة هذا الحوار من خلال عقد اجتماعات ولقاءات أخرى للإجابة عن الأسئلة المطروحة ومناقشة التحديات التي تواجه القطاع.

وشددت الوزاني على أن الوزارة منفتحة على مواكبة المصنعين والفاعلين الاقتصاديين، والعمل معهم على تجاوز الإشكالات التي تعترض تطور أنشطتهم، وذلك في حدود ما يسمح به القانون والمساطر التنظيمية المعمول بها، بما يضمن في الوقت نفسه احترام الضوابط القانونية وحماية السوق الوطنية.

ومن جانبه، أثار نور الدين أكناو، المدير العام لمجموعة صوريمار، إشكالية الصفائح البحرية من فئة A Grade المخصصة لصناعة السفن، معتبرا أن هذا النوع من الصفائح أصبح يواجه تعقيدات إدارية أكبر مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق. وأوضح أن استيراد هذه الصفائح كان يتم في ظروف أكثر سلاسة، قبل أن يصبح المصنع مطالبا اليوم بالحصول على رخصة من المصالح المركزية بالرباط، وهو ما قد يستغرق وقتا لا ينسجم، في كثير من الحالات، مع طبيعة المشاريع البحرية وحاجتها إلى احترام آجال دقيقة في التموين والتنفيذ.

غير أن الإشكال، بحسب أكناو، لا يرتبط فقط بطول المساطر، وإنما بطبيعة هذه الصفائح نفسها، باعتبارها منتجات متخصصة لا يتم تصنيعها على نطاق واسع، بل إن إنتاجها يظل محصورا في عدد محدود من الدول على المستوى العالمي. وأشار إلى أن هذه الصفائح لا يتم تصنيعها في إفريقيا، وحتى في الأوروبية، بما في ذلك  فرنسا وإسبانيا  لا تصنعها، بينما تهيمن الصين على جزء كبير من هذا النشاط، إلى جانب دول أخرى مثل روسيا والبرازيل، وهو ما يجعل سلسلة الإمداد العالمية لهذه المنتجات محدودة ومركزة في عدد قليل من البلدان.

ويرى أكناو أن الرهان على تصنيع هذه الصفائح محليا يظل، في الظرف الراهن، تحديا كبيرا، بالنظر إلى محدودية حجم السوق، وحجم الاستثمارات المطلوبة، وضرورة تحقيق اقتصاديات الحجم، فضلا عن المنافسة الدولية القوية، مؤكدا أن المغرب لا يمكنه الانتقال، بين عشية وضحاها، إلى إنتاج كميات كبيرة من منتج متخصص تتحكم في سوقه الدولية مجموعة محدودة من الدول. كما لفت إلى أن التخوف من احتمال استعمال الصفائح البحرية في أغراض أخرى، لا ينبغي أن يؤدي إلى تعقيد ولوج الصناعات البحرية إليها، موضحا أن الصفائح المخصصة لبناء السفن تختلف في مواصفاتها واستعمالاتها عن الصفائح المعدنية العادية الموجهة إلى صناعات أخرى.

وأكد أن استعمال الصفائح البحرية في صناعات غير مخصصة لها لن يكون خيارا اقتصاديا منطقيا بالنسبة للمصنعين، لأن كلفتها المرتفعة مقارنة بالصفائح العادية قد تؤدي إلى رفع تكلفة الإنتاج بشكل كبير، وهو ما يجعل استخدامها خارج المجال البحري غير ذي جدوى من الناحية الاقتصادية. وحذر أكناو من أن استمرار التعقيدات المرتبطة باستيراد هذه المواد قد تكون له انعكاسات خطيرة على مستقبل بعض المشاريع، مستحضرا حالة ورش سبق له أن قام باستيراد كميات مهمة من الصفائح البحرية، غير أن الشحنة لم تصل في الوقت المطلوب بسبب التعقيدات والمساطر المرتبطة بها، الأمر الذي أدخل المشروع في أزمة حادة وانتهى به إلى الإفلاس، في ظل عدم وضوح مآل التموين واستمرار حالة عدم اليقين.

وتكشف هذه الحالة، بحسب المهنيين، عن أن الإشكالات التنظيمية المرتبطة بالاستيراد لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل إدارية، لأنها قد تتحول في ظروف معينة إلى عامل يهدد استمرارية المقاولة نفسها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بصناعة تعتمد على مواد أولية وتجهيزات ذات مواصفات دقيقة ولا تتوفر إلا لدى عدد محدود من الموردين على المستوى الدولي.

وفي المقابل، شدد المهنيون على أن مطلبهم لا يتمثل في تجاوز القواعد التنظيمية أو إلغاء آليات المراقبة، وإنما في ملاءمة هذه القواعد مع خصوصيات الصناعة البحرية، وإيجاد آليات أكثر مرونة ووضوحا وسرعة، تسمح للمقاولات بالحصول على احتياجاتها في الوقت المناسب، دون المساس بالضوابط القانونية أو متطلبات السلامة والجودة. وفي هذا الإطار، دعا المتدخلون إلى إدراج الصفائح البحرية ضمن لائحة المعدات والمواد التي يمكن أن تستفيد من الامتيازات الجمركية والضريبية الموجهة لدعم الصناعة البحرية، باعتبارها مادة أساسية لا يمكن للأوراش المتخصصة في بناء وإصلاح السفن الاستغناء عنها.

كما برز خلال النقاش اقتراح  يقوم على ضرورة قيام الأوارش البحرية بإستيردا هذه الصفائح وغير من المعدات  بشكل مباشر، باعتبار أن هذا الخيار قد يوفر آلية أكثر فعالية لتفادي إشكالية الاستخدام المزدوج لبعض المعدات والمواد، خصوصا أن عددا من المنتجات التقنية يمكن أن تستخدم في أكثر من قطاع صناعي. وأكد ممثلو الإدارة أن هذا التصور قد يساعد على ضمان الاستعمال الفعلي للمواد المستوردة في الأغراض التي خصصت لها، غير أن المهنيين أشاروا إلى أن واقع القطاع يفرض الأخذ بعين الاعتبار طبيعة سلاسل التوريد المعتمدة في الصناعة البحرية.

ولفت المتدخلون أن الأوراش لا تقوم دائما بالاستيراد المباشر، بل تحصل في كثير من الحالات على حاجياتها عن طريق موردين ووسطاء متخصصين يتولون عمليات الاقتناء والاستيراد. وما يزيد من صعوبة الوضع بالنظر إلى أن سوق الصفائح البحرية المتخصصة تظل مركزة دوليا في عدد محدود من البلدان المنتجة، وعلى رأسها الصين، وهو ما يجعل الموردين أنفسهم مرتبطين بمسارات دولية معقدة، وبآجال تصنيع وشحن وتسليم لا يمكن التحكم فيها بشكل كامل من طرف المقاولة المغربية.

وبين هذا المعطى وذاك، يبرز أن تطوير الصناعة البحرية بالمغرب يحتاج إلى مقاربة تنظيمية متكاملة، لا تكتفي بمعالجة كل مسطرة على حدة، وإنما تنظر إلى سلسلة القيمة بأكملها، بدءا من الاستيراد والتموين، مرورا بالمراقبة والتخليص الجمركي، ووصولا إلى الإنتاج والتصنيع وتسليم المشاريع. لاسيما وأن لرهان اليوم يتعلق بتهيئة البيئة المناسبة لظهور صناعة بحرية مغربية أكثر قوة وقدرة على المنافسة، خاصة أن المملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة خبرات وتجارب مهمة في عدد من الصناعات الاستراتيجية، وأثبتت قدرتها على بناء منظومات صناعية متطورة عندما تتوفر الرؤية الواضحة، والاستثمار، والمواكبة المؤسساتية، والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة إشكالية الصفائح البحرية والتجهيزات لا ينبغي أن تتوقف عند حدود تبسيط مسطرة إدارية، بل يتعين أن تشكل مدخلا لإعادة التفكير في المنظومة التنظيمية المؤطرة للصناعة البحرية برمتها، بما يضمن وضوح القواعد، وسرعة الإجراءات، وتحفيز الاستثمار، وحماية تنافسية المقاولات، وتشجيع الموردين على التعامل مع السوق المغربية. فيما أبان النقاش الذي احتضنته الورشة عن استعداد مختلف الأطراف لمواصلة الحوار والبحث عن حلول عملية، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة لترجمة المقترحات التي طرحت إلى إجراءات ملموسة تستجيب لحاجيات المهنيين وتحافظ في الوقت ذاته على متطلبات المراقبة والتنظيم.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا