حقيبة الفلاحة والصيد .. المهاجري وكلاش التغيير ..!

0
Jorgesys Html test

لم يكن تصريح هشام المهاجري، البرلماني وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، بشأن ضرورة التغيير على مستوى وزارة الفلاحة مجرد خرجة في خضم النقاش السياسي الذي أعقب الانتخابات، بل حمل في طياته رسالة تتجاوز حدود النقاش الحكومي إلى مساءلة طريقة تدبير قطاع ظل لسنوات طويلة مرتبطا بحزب التجمع الوطني للأحرار، ما يؤكد استمرار المناوشات بين الجرار والحمامة ، حتى ولو كانت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة قد أعلنت القطيعة مع وقائع الحملة الإنتخابية وفتح صفحة جديدة بعد تصدر الحزب الإنتخابات التشريعية.

المهاجري، وهو يتحدث عن ضرورة التغيير داخل وزارة الفلاحة، طرح سؤالا سياسيا مباشرا حول ما يجري داخل قطاع ظل، بحسب تعبيره، تحت تدبير متواصل لما يقارب عقدين، في إشارة واضحة إلى أن المرحلة المقبلة قد تفرض إعادة النظر في توزيع عدد من الحقائب الوزارية، وفي مقدمتها حقيبة الفلاحة والصيد البحري التي تحتاج من منظور تعبيره معرفة ما يجول ويدور داخل هذه الوزارة.. .

وتزداد أهمية هذا الطرح بالنظر إلى أن وزارة الفلاحة لم تعد مجرد حقيبة قطاعية عادية، بالنظر إلى حجم الملفات التي ترتبط بها، من الأمن الغذائي والماء والفلاحة التضامنية والاستثمار القروي، إلى الثروة السمكية والاقتصاد البحري وتدبير الموارد البحرية وعلاقات المغرب مع شركائه في هذا المجال. لذلك فإن أي نقاش حول مستقبل هذه الوزارة لا يمكن أن ينفصل عن سؤال أوسع يتعلق بطريقة تدبير قطاعين استراتيجيين وحساسين بالنسبة للاقتصاد الوطني. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إثارة في المرحلة المقبلة، ماذا سيكون مصير قطاع الصيد البحري على مستوى التوزيع والتدبير الحكومي؟

فهل يتجه النقاش نحو منح الصيد البحري حقيبة وزارية مستقلة تضع القطاع في قلب الاهتمام الحكومي، بالنظر إلى خصوصيته الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية؟ أم سيتم الإبقاء عليه ضمن الوزارة الأم، مع الاحتفاظ بكتابة دولة أو منصب حكومي مكلف بالصيد البحري؟ أم أن الصيغة المقبلة ستذهب في اتجاه مختلف تماما، من خلال إعادة هيكلة الاختصاصات بما يجعل تدبير الفلاحة والصيد البحري أكثر انسجاما مع طبيعة المرحلة الجديدة؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة لأن قطاع الصيد البحري لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات أو الصادرات، وإنما يرتبط أيضا بآلاف المهنيين والبحارة والعاملين في الموانئ وسلاسل التثمين والتصنيع، فضلا عن ارتباطه بالثروة البحرية الوطنية وبالأمن الغذائي وبالمجالات الساحلية التي تشكل فيها الأنشطة البحرية جزءا أساسيا من الدورة الاقتصادية والاجتماعية. وبهذا المعنى، فإن النقاش الذي فتحه المهاجري بشأن وزارة الفلاحة يمكن أن يتحول إلى مدخل لإعادة طرح موقع الصيد البحري داخل الهندسة الحكومية المقبلة.

تصريح المهاجري يأتي أيضا في سياق سياسي أكثر تعقيدا، بعدما أصبح مستقبل التحالفات الحكومية مرتبطا بحسابات ما بعد الانتخابات وبالعلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار. فالمهاجري لم يخف موقفه من إمكانية التحالف مع الأحرار، واعتبر هذا الخيار بمثابة مغامرة حتى وإن كان لا يصل لدرجة الخط الأحمر ، في وقت تتحدث فيه مواقف داخلية من حزب الأحرار عن صعوبة إعادة إنتاج الصيغة السابقة للتحالف بين الحزبين بعد منافسة انتخابية اتسمت بحدة سياسية واضحة.

وفي حال اتجه الأحرار إلى المعارضة، فإن المشهد سيحمل مفارقة سياسية لافتة، لأن الحزب الذي كان خلال الولاية السابقة أحد أبرز مكونات الأغلبية سيجد نفسه مطالبا بممارسة المعارضة تجاه حكومة يقودها حليف الأمس. وستزداد حساسية الوضع عندما يتعلق الأمر بملفات أو قطاعات كان الأحرار طرفا أساسيا في تدبيرها وصياغة سياساتها، بما فيها قطاع الفلاحة والصيد البحري بالمخططين الأخضر والأزرق .

لكن في المقابل، فإن موقع المعارضة قد يفتح أمام الحزب فرصة لإعادة ترتيب خطابه السياسي وهو توجه تنتصر له عدد من مكونات حزب الحمامة، خاصة بعد سنوات من الحضور الحكومي. وسيكون عليه أن يحدد موقعه من حصيلة المرحلة السابقة، وأن يقدم قراءة جديدة للملفات التي شارك في تدبيرها، وهو ما يجعل الانتقال من الأغلبية إلى المعارضة عملية سياسية تحتاج إلى أكثر من مجرد تغيير المقاعد داخل البرلمان.

أما بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فإن إثارة موضوع وزارة الفلاحة في هذا التوقيت وعبر قناة عمومية وإعلام رسمي عادة ما يرسم الخطوط العريضة لصناعة القرار، تحمل دلالة إضافية، لأنها تجعل توزيع الحقائب الوزارية جزءا من النقاش حول طبيعة المرحلة المقبلة، وليس مجرد مسألة تفاوضية بين الأحزاب. وإذا كان المبدأ المطروح هو التداول على القطاعات الحكومية وعدم ارتباط حقيبة بعينها بحزب معين، فإن وزارة الفلاحة والصيد البحري ستكون بالضرورة في قلب هذا النقاش وقد تحسم تموقع بعض الأحزاب.

ويبقى الصيد البحري الحلقة الأكثر إثارة في هذه المعادلة،  بسبب خصوصية القطاع وحاجته إلى رؤية حكومية واضحة تعيد ترتيب الأولويات بين حماية الثروة البحرية، وتطوير الاقتصاد الأزرق، وتحسين ظروف المهنيين، وتعزيز التصنيع والتثمين، وضمان استدامة الموارد.

لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتوقف عند من سيحمل حقيبة الفلاحة والصيد..، وإنما بما إذا كانت الحكومة المقبلة ستتعامل مع الصيد البحري باعتباره قطاعا تابعا داخل حقيبة واسعة، أم ستمنحه موقعا مؤسساتيا وسياسيا يعكس حجمه الحقيقي داخل الاقتصاد الوطني، لاسيما بعد تجربة كتابة الدولة التي أظهرت أن القطاع في حاجة ماسة لمزيد من الإستقلالية على مستوى التدبير السياسي.

وفي انتظار اتضاح خريطة التحالفات وتوزيع الحقائب بغض النظر عن هذا الحزب أو داك، يبدو أن تصريح المهاجري قد فتح مبكرا واحدا من أكثر الملفات حساسية في مفاوضات المرحلة المقبلة. فالتغيير الذي يتحدث عنه لا يتعلق بالاسم الذي سيجلس على كرسي الوزارة فقط، وإنما بصورة أوسع بطريقة تدبير قطاع ظل لسنوات في قلب السياسة الحكومية، وبمستقبل الصيد البحري داخل هندسة السلطة التنفيذية الجديدة.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا