بقلم : عبد الخالق جيخ*
في بلد يجعل من سمكة صغيرة عمودا فقريا لاقتصاد بحري بأكمله، لا يمر خبر عن فيروس يصيب السردين مرور الكرام. فالسردين عند المغربي ليس مجرد صنف غذائي بين أصناف أخرى، بل هو سمكة الفقراء التي تسد الجوع بثمن مقبول حسب العرض ، وهو في الآن ذاته سلعة تصديرية تحمل اسم المملكة إلى موائد أوروبا وآسيا.

لذلك يستحق ظهور فيروس هربس السردين، المعروف اختصارا بـ PHV، في حالات النفوق الجماعي التي سجلت مؤخرا بجنوب إفريقيا، أكثر من مجرد خبر . ليس لأن الفيروس وصل إلى المياه المغربية، فهذا غير مثبت، ولا لأن هناك خطرا صحيا مباشرا على المستهلك، فلا توجد معطيات علمية تشير إلى أن هذا الفيروس يصيب الإنسان. وإنما لأن الواقعة تطرح سؤالا أكبر حول هشاشة النظم البحرية أمام الأمراض والتغيرات البيئية.فما الذي يعنيه بالضبط ظهور فيروس PHV، وأي أضرار يحملها، وكيف يمكن أن ترتد على المخزون السمكي وعلى جيب المستهلك المغربي؟
فيروس هربس السردين، المعروف اختصارا بـ PHV، هو فيروس من عائلة فيروسات الهربس، متخصص بيولوجيا في إصابة أسماك السردين والصلاح (وهما نوعان متقاربان جدا، إذ يُعد السردين المرحلة الفتية الصغيرة من صنف الصلاح ذاته). لا يهاجم هذا الفيروس جسم السمكة عموما، بل يستهدف الخياشيم تحديدا، فيسبب التهابا وتثخنا فيها، وهو ما يعيق قدرة السمكة على استخلاص الأوكسجين من الماء، فتموت اختناقا لا تسمما ولا نزيفا. وهو فيروس ليس وليد اليوم؛ فقد سبق أن ارتبط اسمه بواقعتي نفوق جماعي ضخمتين ضربتا سواحل أستراليا في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يعاود الظهور مؤخرا، وللمرة الأولى، في مياه جنوب إفريقيا.
ويكمن الخطر الحقيقي لهذا الفيروس في طبيعة السردين نفسه، فسمكة قطيعية تعيش وتتحرك وتتكاثر في أسراب كثيفة العدد، وهو ما يجعل انتقال العدوى بين الأفراد سريعا وواسعا حين تتوفر الظروف الملائمة. فحين يضرب الفيروس سربا معينا، فإن النفوق لا يقتصر على أفراد معدودين، بل قد يطال آلاف الأطنان دفعة واحدة، كما وقع فعلا بجنوب إفريقيا هذا الصيف.
وإذا تكرر مثل هذا السيناريو أو اتسع نطاقه جغرافيا، فإن الأثر لا يبقى حبيس المختبرات العلمية، بل ينتقل مباشرة إلى المخزون الحيوي القابل للصيد، ومعه تراجع في الكتلة السمكية المتاحة، واختلال محتمل في السلسلة الغذائية البحرية التي يتغذى عليها السردين ويتغذى عليه بدوره كائنات أخرى، من أسماك مفترسة إلى طيور بحرية وحتى بعض الثدييات البحرية التي يشكل لها غذاء أساسيا.

وهنا يجب الفصل بوضوح بين مستويين مختلفين من الأثر. فمن جهة، لا يوجد حتى الساعة أي دليل علمي على أن هذا الفيروس ينتقل إلى الإنسان، وبالتالي فإن استهلاك السردين، طازجا كان أو معلبا، يبقى آمنا تماما من الناحية الصحية البحتة، ولا داعي لأي قلق غذائي مباشر. لكن الأثر الأخطر، من منظور المستهلك المغربي، ليس صحيا بل اقتصاديا بامتياز.
فالمغرب، الذي يستحوذ على النصيب الأكبر من السوق العالمية للسردين المعلب، ويشغّل مئات الآلاف من الأسر في هذا القطاع بمدن ساحلية كأكادير وآسفي والصويرة والعيون، يبقى مرتبطا عضويا بصحة هذا المخزون السمكي. فأي تراجع مستقبلي محتمل في الكتلة الحيوية للسردين، سواء بفعل هذا الفيروس أو غيره من الضغوط البيئية، من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على وفرة المادة الأولية، ومن ثم على أسعارها في السوق المحلية، في بلد يشتكي أصلا مواطنوه أحيانا من مفارقة أن يكون بلدهم أول مصدر عالمي للسردين، بينما يظل ثمنه في الأسواق الشعبية عبئا على ميزانية الأسرة المحدودة الدخل.
وفي خلاصة التحليل تستدعي الوضعية اليقظة لا القلق لأن فيروس PHV، في وضعه الحالي، يبقى ملفا بيئيا محليا مرتبطا بسواحل جنوب إفريقيا، ولم يثبت علميا أي امتداد له نحو المياه المغربية أو الأطلسي الشمالي عموما. لكن دروس التاريخ البيئي تعلّمنا أن الحدود البحرية ليست حصينة أبدا أمام تنقل الفيروسات، عبر التيارات المائية أو الطيور المهاجرة أو حتى النشاط البشري نفسه. فاليقظة العلمية والمؤسساتية، عبر تكثيف المراقبة البيولوجية لمصايدنا الوطنية، تعد ضرورة استباقية، حماية لمخزون سمكي يشكل، بمعنى من المعاني، جزءا من الأمن الغذائي والاقتصادي لهذا البلد.
*عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

























