رفع حصة بوجدور من صغار البيلاجيك .. قرار إداري أم سؤال سياسي ؟

1
Jorgesys Html test

بقلم: عبد الخالق جيخ

أصدرت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، السيدة زكية الدريوش، قرارًا يقضي بزيادة حصة صيد الأسماك السطحية بمنطقة بوجدور بنسبة 15 في المائة، وذلك بُعيد يوم واحد فقط من إجراء الانتخابات التشريعية التي عرفها المغرب في 23 شتنبر 2026، والتي اثمرت فوز المسؤولة الحكومية بمقعد برلماني عن جهة سوس ماسة .

 وإذا كان هذا القرار قد يبدو، للوهلة الأولى، إجراءً تقنيًّا بحتًا من صميم الاختصاص الوزاري المعتاد، فإن توقيته اللافت، وطبيعته كإعادة توزيع لموارد محدودة بين مهنيين متنافسين، يستدعيان تساؤلاً مشروعًا، هل بقيت السيدة كاتبة الدولة، في اتخاذها هذا القرار، ضمن الحدود التي يرسمها الدستور والفقه الإداري لحكومة تصريف الأعمال الجارية، أم تجاوزتها؟

ينص الفصل 47 من دستور 2011 صراحة على أن الحكومة المنتهية ولايتها البرلمانية تواصل تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة. وهذا يعني أن كاتبة الدولة تحتفظ، من الناحية الشكلية البحتة، بكامل اختصاصها التوقيعي والتنفيذي؛ فلا فراغ قانوني يحول دون ممارستها لمهامها. بهذا المعنى، فإن القرار سليم من حيث الاختصاص الشكلي، ولا مجال للطعن فيه على أساس عدم الأهلية. لكن الإشكال القانوني الحقيقي لا يكمن في من أصدر القرار، بل في طبيعته ومدى استناده إلى مسوّغ علمي موضوعي. فالفقه الإداري المقارن، والمغربي المستلهم منه، يميّز بين قرارات “جارية” محايدة تضمن استمرارية المرفق العام تطبيقًا لمعطى علمي أو تقني قائم ومُعَدّ سلفًا، وقرارات “جوهرية” تُنشئ حقوقًا جديدة أو تعيد توزيع موارد بين أطراف متنافسة دون سند علمي سابق للقرار ذاته.

وهنا يبرز المعيار الذي يحسم طبيعة هذا القرار تحديدًا، تاريخ صدور مخرجات المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، لا مجرد وجودها. فإذا كانت هذه المخرجات العلمية قد أُنجزت مسبقًا، كنتيجة دورة تقييم بيولوجي روتينية سابقة على الانتخابات بأسابيع أو أشهر، على غرار ما جرت عليه العادة في مصايد أخرى كالأخطبوط، فإن القرار يكتسب طابعًا “جاريًا” حقيقيًّا، فكاتبة الدولة لا تفعل سوى تنزيل توصية علمية جاهزة، وتوقيته بعد الانتخابات يصبح تفصيلاً إداريًّا لا يمس بمشروعيته. أما إذا لم تكن هذه المخرجات موجودة سلفًا، أو صدرت لاحقًا لتبرير قرار اتُّخذ أولاً، فإن القرار يفقد غطاءه العلمي المحايد، ويصبح قرارًا تقديريًّا محضًا اتخذته كاتبة الدولة بإرادتها المنفردة في فترة يُفترض فيها التحفظ، وهو ما يرجّح كفة تجاوز حدود تصريف الأعمال الجارية.

عبد الخالق جيخ

ولا يخفى أن الأسماك السطحية الصغيرة تخضع أصلاً لنظام تدبير قائم على الموازنة بين القدرة الاستيعابية لوحدات المعالجة الصناعية ومستويات المصطادات، بمعنى أن المخزون محدود علميًّا، وأن أي زيادة حصة لفئة معينة تعني حكمًا تأثيرًا في التوازنات القائمة بين المهنيين ضمن المصيدة ذاتها. وهذا ما يجعل غياب المسوّغ العلمي المسبق، إن ثبت، أشد وقعًا من مجرد إجراء إداري روتيني، لأنه يمس مباشرة في حقوق أطراف أخرى ضمن نفس المهنة.

بناءً على هذا كله، فإن أي طعن محتمل سيتمحور عمليًّا حول سؤال إثباتي واحد، هل تملك كاتبة الدولة وثيقة أو رأيًا علميًّا صادرًا عن المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بتاريخ سابق لقرارها؟  فإن وُجد، سقطت حجة الانحراف في استعمال السلطة من أساسها. وإن غاب، أو ثبت أنه أُعدّ بعد صدور القرار أو بالتزامن معه، انتقل عبء إثبات الاستعجال المبرر لهذا التوقيت إلى الإدارة نفسها، وهو عبء صعب الإثبات في فترة يُفترض فيها الحياد المؤسساتي.

إن السؤال المطروح في عنوان هذا المقال لا يُحسم بجواب قاطع سلفًا، بل بمعيار واحد بسيط وقابل للتحقق: تاريخ مخرجات المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري. فإذا كانت هذه المخرجات سابقة لصدور القرار ومستقلة عنه زمنيًّا، فإن كاتبة الدولة لم تتجاوز حدودها، وقرارها يبقى ضمن دائرة تصريف الأعمال الجارية المشروع. أما إذا كانت هذه المخرجات غائبة أو لاحقة، فإن القرار يتحول من تدبير تقني محايد إلى قرار جوهري اتُّخذ خارج الشرعية السياسية الكاملة، وهو ما يجعله عرضة للطعن على أساس تجاوز حدود الاختصاص الموضوعي، لا الاختصاص الشكلي.

*عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري 

Jorgesys Html test

تعليق 1

  1. عرض “أولويات البحث العلمي المغربي”، الذي ألقاه عبد اللطيف براحو، المدير العام آنذاك للمعهد الوطني للبحث في الصبد البحري، في باريس عام 2004، جزءًا من سياق محوري لإعادة هيكلة البحث والإدارة المستدامة للموارد البحرية في المغرب.
    https://aujourdhui.ma/economie/linrh-est-totalement-independant-22982

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا