قام وفد من دائرة الزراعة الخارجية التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية بزيارة إلى مزرعة شركة أكوا مضيق، حيث تكتسب هذه الزيارة أهمية تتجاوز بعدها التقني والمهني، باعتبارها تعكس تنامي الاهتمام الدولي بالدينامية التي يعرفها هذا القطاع، وما يتيحه من فرص لتطوير الإنتاج المحلي وخلق قيمة مضافة جديدة وتعزيز التعاون الاقتصادي بين المغرب والولايات المتحدة.

وأتاحت هذه الزيارة، التي سلطت عليها سفارة الولايات المتحدة بالمغرب الضوء، أتاحت للوفد الأمريكي الاطلاع عن قرب على تجربة أكوا مضيق، وعلى الكيفية التي يمكن من خلالها للمكونات والمدخلات الزراعية الأمريكية عالية الجودة أن تساهم في دعم أنشطة تربية الأحياء المائية بالمغرب. وتأتي هذه الخطوة في سياق يتجه فيه القطاع نحو توسيع قاعدته الإنتاجية، وتحسين قدراته التقنية، وتطوير مختلف حلقات سلسلة القيمة، بما يجعل من الشراكات الدولية رافعة إضافية لمواكبة التحول الذي يعرفه هذا النشاط.
وتكتسب هذه الزيارة دلالتها أيضاً من كونها تضع الإنتاج المحلي أمام بعد جديد من أبعاد الانفتاح الاقتصادي، إذ لم تعد تربية الأحياء المائية مجرد نشاط مرتبط بالإنتاج البحري، وإنما أصبحت منظومة اقتصادية متكاملة تتقاطع فيها الخبرة والتكنولوجيا والمدخلات والخدمات اللوجستية والتثمين والتسويق، وهو ما يفتح المجال أمام تعاون أكثر اتساعاً بين الفاعلين المغاربة ونظرائهم الدوليين.
وتتزامن هذه الدينامية مع مؤشرات تؤكد اتساع قاعدة الاستثمار في القطاع بالمغرب. فقد أفادت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري في وقت سابق بأن عدد مشاريع تربية الأحياء المائية التي دخلت مرحلة الاستغلال بلغ 244 مشروعاً، بطاقة إنتاجية مستهدفة تقارب 90 ألف طن سنوياً، معتبرة أن هذا التطور يعكس تنامي ثقة المستثمرين في مؤهلات القطاع، إلى جانب أهمية آليات المواكبة والدعم التي جرى إرساؤها خلال السنوات الماضية.
وفي السياق ذاته، يشهد القطاع تطوراً تدريجياً في مختلف مكونات سلسلة القيمة، ولا سيما الأنشطة القبلية المرتبطة بالمفرخات الوطنية، التي يُنتظر أن تضطلع بدور متزايد في تأمين مدخلات الإنتاج وتقليص التبعية الخارجية، فضلاً عن الأنشطة البعدية المتعلقة بالتلفيف والتثمين، بما يسمح بتحسين جودة المنتجات وتعزيز تنافسيتها ورفع القيمة المضافة التي يستفيد منها الفاعلون في القطاع.

وتنسجم هذه التحولات مع رؤية أوسع أشار إليها البنك الدولي في تناوله لمسار تطوير تربية الأحياء المائية البحرية بالمغرب، حيث يرى أن هذا القطاع يمتلك مؤهلات تجعله قادراً على التحول إلى محرك للنمو الاقتصادي والابتكار وخلق فرص العمل، مستفيداً من الامتداد الساحلي للمملكة وتنوع أنظمتها الإيكولوجية البحرية. وتطمح المملكة، وفق المعطيات التي أوردها البنك الدولي، إلى بلوغ إنتاج في حدود 300 ألف طن من منتجات الأحياء المائية والأسماك والمأكولات البحرية وخلق نحو 30 ألف فرصة عمل خلال العقد المقبل.
ولا تقتصر إمكانات القطاع على تربية الأسماك وحدها، إذ يشمل الإنتاج المغربي أصنافاً متعددة من الأسماك والمحار وبلح البحر والأعشاب البحرية والجمبري، مع بروز فرص واعدة بشكل خاص في مجال تربية المحاريات وزراعة الأعشاب البحرية. كما يتجه تطوير القطاع نحو توفير بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار من خلال تحديد المناطق المناسبة للاستزراع، وتحديث الإطار التنظيمي، وتعزيز الروابط التجارية بما يتيح للمنتجات المغربية الوصول إلى أسواق المأكولات البحرية العالمية.
ويمنح هذا المسار للزيارة الأمريكية إلى أكوا مضيق بعداً إضافياً، إذ إن الاهتمام بجودة المدخلات وبناء سلاسل توريد أكثر كفاءة يمكن أن يشكل جزءاً من منظومة التعاون التي يحتاج إليها القطاع المغربي خلال مرحلة توسعه. فكلما انتقل النشاط من مشاريع إنتاجية منفردة إلى منظومة متكاملة، ازدادت الحاجة إلى المعرفة التقنية والتجهيزات والمدخلات والخدمات والابتكار، وهي مجالات يمكن أن توفر فيها الشراكات الدولية قيمة مضافة حقيقية.

غير أن الطموح الكبير الذي يحمله القطاع لا يخفي جملة من التحديات التي ما تزال مطروحة. فقد سجل المجلس الأعلى للحسابات الحاجة إلى إرساء منظومة متكاملة لتربية الأحياء المائية البحرية تغطي مختلف حلقات سلسلة القيمة، مع استكمال الإطار التنظيمي، ووضع آليات أكثر تحفيزاً لجذب المستثمرين ذوي الخبرة، وتعزيز تكوين الموارد البشرية وتوفير المنصات الأرضية والبنيات التحتية الضرورية.
كما أشار المجلس في تقريره حول هذا القطاع، إلى تحديات ذات طبيعة إدارية وتقنية وهيكلية، من بينها تعقيد بعض مساطر الترخيص، والاعتماد على الخبرات الأجنبية، وضعف التصنيع المحلي لمعدات تربية الأحياء المائية، وصعوبة الولوج إلى التمويل والتأمين، فضلاً عن الحاجة إلى موارد بشرية مؤهلة ومنصات وبنيات تحتية قادرة على مواكبة توسع النشاط.
وبين طموح الوصول إلى مستويات إنتاج مرتفعة، والحاجة إلى تطوير المفرخات والتثمين والتجهيز والتكوين، تبرز أهمية التعاون الدولي باعتباره أحد العناصر التي يمكن أن تساعد على تسريع بناء منظومة تنافسية ومستدامة. وفي هذا الإطار، فإن انفتاح الفاعلين الدوليين، ومن ضمنهم الولايات المتحدة، على التجارب المغربية في مجال تربية الأحياء المائية يحمل مؤشراً على اتساع آفاق التعاون، ليس فقط في مجال التجارة الزراعية، وإنما أيضاً في نقل الخبرات وتطوير المدخلات وتعزيز الابتكار والاستثمار.





























