سرقة مراكب الصيد والهجرة .. إختبار جديد للشراكة المغربية الإسبانية !

0
Jorgesys Html test

بقلم عبد الخالق جيخ *

بين موانئ المملكة المغربية وأرخبيل الكناري، تتشكل في الآونة الأخيرة معالم ظاهرة تستحق أن تُقرأ خارج منطق حوادث الهجرة غير النظامية المعزولة، لأنها تكشف عن تحول مقلق في أساليب العبور البحري، حيث أصبحت بعض مراكب وقوارب الصيد المغربية، في حالات متكررة، وسيلة للوصول إلى السواحل الإسبانية بعد الاستيلاء عليها دون وجه حق. ويثير هذا التطور أسئلة تتجاوز الجانب الأمني لتلامس جوهر العلاقة بين حماية الممتلكات خصوصا وأن الأمر بمراكب صيد مجهز تتجاوز قيمتها المليار، وتدبير الهجرة، ومستقبل الشراكة المغربية الإسبانية في المجالين البحري والأمني.

مركب “بوتغروشت 2” يرسو بأحد الموانئ افسباينة بعد إختفائه من ميناء أكادير

وتكتسب هذه الإشكالية زخماً خاصاً مع تكرار وقائع اختفاء مراكب صيد من موانئ مغربية قبل أن تظهر لاحقاً في أرخبيل الكناري وعلى متنها مهاجرون غير نظاميين، كما حدث في واقعة مركب الصيد الساحلي “بوتغروشت 2” الذي غادر ميناء أكادير ليستقر في ميناء أريسيفي بجزيرة لانزاروتي. فبعيداً عن تفاصيل كل ملف وما يقرره القضاء بشأنه، فإن تكرار هذا النمط من الوقائع يفرض نفسه باعتباره مؤشراً على تحول يستوجب الدراسة و المعالجة. ومعه يبقى المطلب الأساسي هو حماية وسائل الإنتاج داخل قطاع الصيد البحري. لأن مركب الصيد رأسمال اقتصادي، ومورد رزق لعشرات الأسر، وحلقة أساسية في دورة إنتاج الثروة البحرية دون إغفال القيمة الإستثمارية لهذه القطعة البحرية التي ترفع العلم المغربي. وعندما يتحول إلى أداة للعبور غير المشروع، فإن الخسارة لا تطال مالكه وحده، وإنما تمتد إلى البحارة والعاملين بالميناء، وإلى منظومة اقتصادية محلية بأكملها تعتمد على استقرار نشاط الصيد.

وقد دفعت التطورات الحاصلة مع توالي عمليات السرقة في موانئ عدة،  مختلف الفاعلين المهنيين إلى التعبير عن مخاوف متزايدة من اتساع الظاهرة، وسط مطالب بتشديد إجراءات حماية المراكب  لاسيما بالموانئ، وتعزيز أنظمة التتبع والمراقبة، وإعادة النظر في مساطر الإبحار والتأمين. غير أن الرهان الأمني، مهما بلغت فعاليته، لن يكون كافياً إذا ظل التعامل مع الظاهرة محصوراً في بعدها التقني، لأن الوقائع تؤكد أن أي منظومة أمنية تظل عرضة للاختراق، عندما تتقاطع معها عوامل اجتماعية واقتصادية تدفع بعض الشباب المغرر بهم  يقعون ضحية وهم ( الرفاه السريع ) و ( الوصول دون مجهود ) مدفوعاً بضبابية الأفق وضيق السبل في بعض الهوامش، وفي ظل انتقادات متزايدة لسياسات تدبير الثروة البحرية ونظام الامتيازات أو ما يُعرف بـ (الريع المنظم ) في قطاع الصيد، والذي يرى فيه الكثير من الشباب جداراً يحول بينهم وبين خيرات بلادهم. فمثل هذه الانطباعات، سواء اتُّفق معها أم اختلف بشأنها، تفرض نفسها كمعطى ينبغي الإصغاء إليه، لأن معالجة الظاهرة تبدأ أيضاً بإعادة بناء الثقة في قدرة القطاع على توفير آفاق عادلة وتكافؤ حقيقي للفرص.

وفي المقابل، فإن احترام الدوافع الإنسانية للمهاجرين لا ينبغي أن يحجب الطبيعة القانونية لبعض الأفعال المرتبطة بوسائل العبور. فحين يتعلق الأمر بالاستيلاء على ممتلكات الغير أو سرقة وسائل إنتاج خاصة، فإن المسألة تندرج كذلك ضمن مقتضيات القانون الجنائي، وهو ما يجعل التنسيق القضائي بين البلدين عنصراً أساسياً في أي مقاربة متوازنة، تضمن في الآن نفسه احترام حقوق الأشخاص وصيانة حقوق الضحايا وحماية الملكية الخاصة.  فتحويل الجريمة الجنائية وسرقة الممتلكات إلى حالة إنسانية تستوجب الرعاية الصحية واللجوء في الجارة الشمالية يثير الكثير من علامات الاستفهام حول صدق الشراكة الأمنية.

عبد الخالق جيخ

 إن التراخي الإسباني في الحسم مع مخرجات هذه السرقات، وإعادة تصنيف السارق كـ (مهاجر وافد) بدلاً من ملاحقته قضائياً، يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل عن جدوى الشراكة الأمنية.  ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى مزيد من الوضوح في آليات التعاون المغربي الإسباني بشأن هذا النوع من القضايا، بما يسمح بتسريع مساطر البحث، وتعزيز تبادل المعلومات، والتنسيق القضائي، والنظر في السبل القانونية الكفيلة بإعادة المراكب إلى أصحابها متى ثبتت وقائع الاستيلاء عليها، مع ضمان محاسبة المسؤولين وفق القوانين الجاري بها العمل في إطار التعاون الثنائي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

إلى ذلك يبقى الرهان الأكبر داخلياً بامتياز. فكلما نجح قطاع الصيد البحري في ترسيخ الحكامة الجيدة، وتوسيع فرص الاندماج المهني، وتعزيز العدالة في الولوج إلى الثروة البحرية، وتوفير مسارات حقيقية للشباب، تراجعت جاذبية المغامرات المحفوفة بالمخاطر، وتضاءلت قدرة شبكات الاستغلال على استثمار الفراغ  وتحويله إلى مشاريع هجرة غير نظامية.

ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس تشديد الرقابة فقط أو تبادل الاتهامات، وإنما بناء مقاربة متكاملة تجعل من حماية المستثمر والبحار، وصون الممتلكات، واحترام القانون، وإصلاح الاختلالات الداخلية، وتعزيز الشراكة الثنائية، مسارات متوازية لا متعارضة. فوحدها هذه المقاربة قادرة على قطع الطريق أمام تحول مراكب الصيد المغربية من أدوات للإنتاج والتنمية إلى وسائل للهجرة غير النظامية ، بما يحفظ هيبة القانون ويصون مصالح القطاع ويكرس مسؤولية الشركاء في مواجهة تحديات بحرية تتجاوز حدود الجغرافيا.

*عبد الخالق جيخ فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري 

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا