صوت البحارة في صناديق الإقتراع .. التشريع أمام إختبار الميدان !

0
Jorgesys Html test

يتجه البحارة، شأنهم شأن باقي المواطنين اليوم الأربعاء ، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في الانتخابات التشريعية، وهم يحملون معهم جملة من الانتظارات والمطالب التي تتجاوز حدود تحسين ظروف العمل إلى إعادة ترتيب موقع قطاع الصيد البحري داخل أولويات السياسات العمومية. فبالنسبة إلى رجال البحر، لا يتعلق الأمر فقط بممارسة حق دستوري في التصويت، وإنما بفرصة للتعبير عن تطلعات قطاع اقتصادي واجتماعي واسع، والمساهمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة، في ظل تحديات متزايدة تفرض على الحكومة القادمة فتح نقاش جدي حول مستقبل المهن البحرية ومكانة العاملين فيها.

ومن هنا تكتسب مشاركة البحارة في الانتخابات التشريعية دلالة تتجاوز مجرد ممارسة حق انتخابي يكفله الدستور. إنها مناسبة لطرح سؤال أكبر حول موقع رجال البحر في صناعة القرار، وحول مدى قدرة المؤسسات المقبلة على التقاط نبض قطاع ظل، رغم وزنه الاقتصادي والاجتماعي، يواجه تحديات متراكمة تتطلب تشريعاً أكثر انسجاماً، وحكامة أكثر فعالية، وحضوراً أقوى للبحار في النقاش العمومي. فالرهان بالنسبة إلى الشغيلة البحرية لا ينحصر في انتظار حكومة جديدة، وإنما يرتبط بقدرتها على فتح ملفات عالقة، وفي مقدمتها إخراج مدونة متكاملة للصيد البحري إلى حيز الوجود. فاستمرار العمل بمنظومة قانونية تقوم على نصوص متفرقة ومتعددة، يعود بعضها إلى مراحل لم تعد تستوعب التحولات التي عرفها القطاع، يجعل الحاجة إلى إطار تشريعي جامع أكثر إلحاحاً.

والحديث عن مدونة للصيد البحري لا يتعلق فقط بإعادة ترتيب النصوص القانونية، بل بإعادة بناء العلاقة بين مختلف مكونات القطاع على أساس واضح للحقوق والواجبات والمسؤوليات. فحين تتعدد النصوص وتتوزع المقتضيات بين قوانين ومراسيم وقرارات مختلفة، يصبح الإلمام بها وتوحيد تأويلها وتطبيقها تحدياً قائماً بالنسبة إلى المهنيين والإدارة وأجهزة المراقبة على حد سواء. ولذلك، فإن مدونة حديثة لا ينبغي أن تكون مجرد تجميع للنصوص القائمة، وإنما فرصة لإعادة صياغة الإطار القانوني للقطاع بما يواكب تحولات المهنة، ويحمي الموارد البحرية، ويضمن شروطاً أكثر إنصافاً للعمل، ويوازن بين مصالح الاستثمار وحقوق الشغيلة ومتطلبات الاستدامة.

ويبقى التشريع، مهما بلغت دقته، في حاجة إلى صوت الميدان. وهنا يعود مطلب إشراك البحارة في صناعة القرار إلى الواجهة، باعتباره أحد المطالب التي ظلت حاضرة في النقاش المهني. فالعامل في البحر لا ينظر إلى النصوص من خلف “مكتب”، وإنما يختبر آثارها في عرض البحر وفي الميناء وفي حياته اليومية، ولذلك فإن إشراكه في آليات الحوار والتشاور يمكن أن يمنح القرار العمومي قيمة مضافة، ويضع أمام صانعي السياسات صورة أكثر دقة عن واقع القطاع. لدى فالخبرة المهنية للبحارة هي معرفة ميدانية تراكمت عبر سنوات طويلة، ويمكن أن تتحول إلى قوة اقتراحية حقيقية إذا وجدت القنوات المؤسساتية التي تستوعبها. كما أن إشراك البحارة في النقاش حول القوانين والقرارات التي تؤطر مهنتهم من شأنه أن يعزز الثقة في المؤسسات ويجعل التشريع أكثر التصاقاً بالواقع. وتزداد أهمية هذا المطلب عندما يتعلق الأمر بقرارات تمس بصورة مباشرة ظروف العمل والدخل والحماية الاجتماعية والسلامة المهنية. ففي الوقت الذي تتوفر فيه بعض مكونات القطاع على آليات متعددة للتعبير عن مصالحها، يظل السؤال مطروحاً حول السبل الكفيلة بضمان حضور أقوى للصوت البحري داخل مختلف فضاءات الحوار القطاعي.

وفي الجانب الاجتماعي، تبدو لائحة الانتظارات أكثر امتداداً. فالبحار الذي يشتغل في بيئة مهنية شاقة ومحفوفة بالمخاطر لا يطالب فقط بظروف أفضل للعمل، وإنما بمنظومة حماية اجتماعية تستوعب خصوصية مهنته. ويأتي في مقدمة ذلك إصلاح الاختلالات المرتبطة بالحماية الاجتماعية، وتعزيز الاعتراف بالأمراض المهنية التي يمكن أن ترتبط بطبيعة العمل البحري، وضمان الولوج إلى العلاج والخدمات الصحية بشروط أكثر إنصافاً. كما يظل ملف السكن والقروض والخدمات الاجتماعية حاضراً بقوة ضمن انتظارات البحارة، بما يفتح الباب أمام التفكير في إحداث مؤسسة اجتماعية متخصصة يمكن أن تضطلع بدور في مواكبة هذه الفئة وأسرها وتوفير خدمات تستجيب لخصوصية وضعها المهني والاجتماعي.

وفي قلب كل هذه المطالب تبرز قضية لا يمكن فصلها عن مستقبل البحار نفسه، وهي قضية الثروة السمكية. فاستدامة المصايد لم تعد موضوعاً بيئياً صرفاً، وإنما أصبحت قضية اقتصادية واجتماعية ترتبط مباشرة بمستقبل آلاف الأسر والعاملين في البحر. وكل تراجع في المخزون السمكي أو اختلال في تدبير المصايد ينعكس في النهاية على فرص العمل وعلى مداخيل المهنيين وعلى مستقبل النشاط برمته. ومن هنا تأتي الدعوة إلى تشديد محاربة الصيد غير القانوني وغير المنظم وغير المصرح به، وتعزيز منظومة المراقبة، ليس فقط من منطلق زجري، وإنما باعتبارها آلية لحماية المورد الذي يقوم عليه القطاع. فالمعادلة تبدو واضحة: لا يمكن ضمان مستقبل الصيد البحري من دون حماية الثروة البحرية، ولا يمكن حماية هذه الثروة من دون قواعد واضحة ومراقبة فعالة وتطبيق عادل للقانون.

وفي السياق نفسه، تفرض التحولات المناخية وتغير توزيع المصايد نفسها على المهنيين، بعدما أصبح الوصول إلى مناطق الصيد أكثر كلفة وتعقيداً في عدد من الحالات، الأمر الذي يضع ضغوطاً إضافية على اقتصاديات الرحلات البحرية. وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير منظومة التسويق والتثمين، وإعادة النظر في بعض آليات تحديد الأسعار المرجعية، بما يسمح برفع قيمة المنتوج وتحسين مردودية النشاط. فالمعادلة التي يطرحها المهنيون اليوم تختصرها فكرة بسيطة، “إذا كان الحفاظ على الموارد يفرض أحياناً تقليص ضغط الصيد، فإن ذلك ينبغي أن يترافق مع تحسين تثمين المنتوج ورفع قيمته، حتى لا يتحول الحفاظ على الثروة البحرية إلى عبء يتحمله البحار وحده.”

أما المحروقات، فتظل واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بالمعيش اليومي للمهنيين، بالنظر إلى وزنها في كلفة النشاط. ولذلك تتجدد المطالب بتحرير هذا الملف من هيمنة الوسطاء، وتعزيز آليات الدعم، وإيجاد منظومة أكثر شفافية وعدالة تضمن ألا تتحول تكلفة المحروقات إلى عامل إضافي يستنزف مداخيل البحارة ويضغط على مردودية القطاع. وفي المقابل، يظل مطلب مراجعة بعض القرارات التي يرى مهنيون أنها تخلق تفاوتاً في الاستفادة بين مكونات الأسطول حاضراً في النقاش، بما يستدعي فتح حوار قطاعي هادئ حول طبيعة السياسات العمومية المعتمدة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين مختلف مكونات الصيد البحري. لأن التطلعات هي كلها أسئلة تنتهي في نهاية المطاف إلى المؤسسات المنتخبة وإلى السياسات التي تنتجها. لهذا السبب، فإن مشاركة البحارة في الانتخابات لا ينبغي أن تختزل في أرقام ونسب. فالرهان الحقيقي يكمن في أن تتحول المشاركة الانتخابية إلى تعبير عن وعي مهني متزايد بأن مستقبل القطاع لا يصنع فقط داخل الموانئ أو على متن مراكب الصيد، وإنما أيضاً داخل المؤسسات التي تشرع وتراقب وتحاسب وتقرر.

ويؤكد أحد الفاعلين في قطاع الصيد أن البحارة سيدخلون مكاتب التصويت فرادى، ولن يكون بمقدور أي طرف أن يرافقهم إلى داخل المعزل أو يقرر مكانهم. فقرار التصويت، في نهاية المطاف، مسؤولية فردية، والناخب وحده من يختار الجهة التي يرى أنها الأقرب إلى انتظاراته. وبالنسبة إلى المصدر ذاته، فإن الأهم في المرحلة الحالية هو الوعي المتزايد لدى المهنيين بأهمية المشاركة في العملية الانتخابية، بعيداً عن المزايدات أو محاولات التأثير التي قد تختزل البحار في مجرد رقم انتخابي. وهنا تحديداً تتقاطع قضية البحارة مع سؤال أوسع يتعلق بالمشاركة السياسية. فالمواطن الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع لا يمارس فقط حقاً قانونياً، بل يشارك في تحديد تركيبة المؤسسات التي ستتولى التشريع ومراقبة العمل الحكومي وصياغة السياسات العمومية. وبالنسبة إلى البحارة، فإن أهمية هذه المشاركة تتضاعف عندما تكون لديهم ملفات واضحة تنتظر أجوبة تشريعية وحكومية.

إن المطلوب اليوم ليس أن يكون البحار حاضراً فقط يوم الاقتراع، ثم يغيب عن النقاش بمجرد إغلاق صناديق التصويت، وإنما أن يصبح صوته حاضراً في النقاش الذي يسبق التشريع ويواكب تنفيذه. فالمشاركة السياسية لا تختزل في لحظة انتخابية، وإنما تبدأ من القدرة على التعبير عن المطالب، والمساهمة في النقاش العمومي، ومساءلة المؤسسات حول مدى وفائها بالتزاماتها. ومن هذه الزاوية، يبدو الاستحقاق التشريعي محطة لإعادة طرح السؤال حول العلاقة بين البحر والسياسة. فالثروة التي تأتي من البحر لا ينبغي أن تكون حاضرة فقط في أرقام الإنتاج والصادرات ومداخيل الدولة، بينما يغيب العاملون فيها عن مركز النقاش حول كيفية تدبيرها. وإذا كان الصيد البحري قطاعاً استراتيجياً، فإن البحار ينبغي أن يكون جزءاً من الاستراتيجية التي تحدد مستقبله وهذا هو الرهان القادم .

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا