على إيقاع المجادف .. النرويج تعيد سرد حكاية “الفايكنغ” في المونديال

0
Jorgesys Html test

لم يعد احتفال “تجديف الفايكنغ” مجرد لقطة عابرة ترافق انتصارات المنتخب النرويجي في كأس العالم 2026، بل تحول إلى عنوان لهوية جماعية تستحضر التاريخ وتستثمر رموزه في صناعة مشهد رياضي استثنائي. ففي أعقاب الفوز على البرازيل وبلوغ ربع نهائي كأس العالم للمرة الأولى في تاريخ النرويج، قاد إرلينغ هالاند الاحتفالات وسط آلاف المشجعين، بينما قرع الطبل في مشهد بات يختزل حالة الانسجام بين المنتخب وجماهيره، ويجسد شعورًا وطنيًا يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

الصورة من موقع الشرق الأوسط

ويعيش المنتخب النرويجي واحدة من أبرز محطاته الكروية منذ مشاركته الوحيدة السابقة في نهائيات كأس العالم سنة 1998، بعدما نجح المدرب ستوله سولباكن، أحد أفراد ذلك الجيل، في قيادة بلاده إلى إنجاز غير مسبوق، معتمدًا على مجموعة متماسكة يتقدمها إرلينغ هالاند، الذي لا يتردد في وصفه بأنه “أفضل هداف في العالم”. وبقدر ما ارتبط هذا النجاح بالأداء الفني داخل الملعب، فقد رافقته طقوس احتفالية منحت المنتخب شخصية مميزة ورسخت صورته في أذهان المتابعين.

ويستند احتفال “تجديف الفايكنغ” إلى إرث تاريخي عريق يعود إلى البحارة الإسكندنافيين الذين اشتهروا بمهاراتهم البحرية منذ القرن الثامن الميلادي، حين كانت السفينة تمثل محور الحياة الاقتصادية والعسكرية والتجارية. غير أن هذا الاحتفال، رغم استلهامه من الماضي، يقدم قراءة رمزية للتاريخ أكثر مما يعكس تفاصيله الدقيقة.

وفي هذا السياق، يوضح أستاذ تاريخ الفايكنغ يان بيل، من جامعة أوسلو، أن التجديف كان عنصرًا أساسيًا في حياة الفايكنغ، لكنه لم يكن الوسيلة الوحيدة التي اعتمدوا عليها في رحلاتهم البحرية الطويلة. فقد تميزوا بقدرتهم على الجمع بين قوة المجاديف وكفاءة الأشرعة، وهو ما مكنهم من الإبحار عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، بل والوصول إلى سواحل أمريكا الشمالية، وهي رحلات لم يكن من الممكن إنجازها بالاعتماد على التجديف وحده.

ويشير الباحث وفق ما أوردته “صفحة النرويج اليوم”  إلى أن المجاديف منحت سفن الفايكنغ ميزة استثنائية تمثلت في القدرة على اختراق الأنهار والمياه الضحلة، والوصول إلى مناطق داخلية يصعب بلوغها بالسفن التقليدية، وهو ما ساعدهم على تنفيذ غارات عسكرية واسعة عُرفت بأعمال النهب والقتل وإحراق القرى والأديرة. ويؤكد أن هذا الجانب يمثل صفحة قاتمة من تاريخ الفايكنغ، ولا ينبغي الاحتفاء به وفق منظومة القيم المعاصرة، حتى وإن ظل جزءًا من السردية التاريخية لتلك الحقبة.

وفي المقابل، يبرز الوجه الآخر لذلك الإرث، إذ أسهمت براعة الفايكنغ في صناعة السفن وفنون الملاحة في تنشيط طرق التجارة البحرية، وإنشاء مستوطنات ومدن جديدة في مناطق مختلفة من أوروبا، من بينها إيرلندا، وهو ما جعل تأثيرهم يتجاوز الطابع العسكري ليترك بصمة حضارية واقتصادية لا تزال حاضرة في التاريخ الأوروبي.

كما يدحض يان بيل إحدى أكثر الصور انتشارًا خلال البطولة، والمتمثلة في قرع الطبول أثناء أداء حركة التجديف الجماعية، موضحًا أن المصادر التاريخية لا تقدم أي دليل على استخدام الفايكنغ للطبول لضبط إيقاع المجدفين. فالإيقاع، بحسب الباحث، كان يتولد بصورة طبيعية من انسجام حركة البحارة مع صوت المجاديف وهي تشق المياه، بينما يبقى الطبل الذي يتصدر المشهد في احتفالات المنتخب النرويجي إضافة معاصرة تمنح الطقس الاحتفالي بعدًا بصريًا وجماهيريًا، أكثر من كونه امتدادًا دقيقًا للممارسة التاريخية.

وهكذا، نجح المنتخب النرويجي في تحويل أحد أبرز رموز تاريخه البحري إلى لغة احتفال عالمية، تستحضر روح المغامرة والتكاتف والإصرار التي ارتبطت بالفايكنغ، مع إعادة تقديمها في إطار رياضي معاصر يبتعد عن تمجيد صفحات العنف، ويحتفي بدلًا من ذلك بقيم العمل الجماعي والطموح والقدرة على تجاوز الحدود، وهي القيم التي تبدو اليوم حاضرة في مسيرة منتخب يكتب فصولًا جديدة في تاريخ الكرة النرويجية.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا