غرق “سارة 3”.. عندما تتحول شهادة السلامة إلى محفز للمساءلة !

0
Jorgesys Html test

بقلم : عبد الخالق جيخ

لم يكن غرق مركب الصيد الساحلي “سارة 3” قبالة سواحل الداخلة، ليلة الجمعة 24 يوليوز 2026، مجرد حادث بحري فرضته قسوة البحر أو تقلبات الطقس، بل كان جرس إنذار جديدًا يعيد إلى الواجهة سؤال مدى نجاعة منظومة السلامة البحرية ببلادنا، ويضعها أمام إمتحان حقيقي لا يقبل المجاملة أو الإكتفاء بالتفسيرات الظرفية. فالحوادث البحرية، مهما اختلفت ملابساتها، لا ينبغي أن تُقرأ بمنطق القضاء والقدر وحده، بل باعتبارها مناسبة لمساءلة المنظومة التقنية والإدارية التي تمنح للمراكب حق الإبحار وتحمل، تبعًا لذلك، جزءًا من مسؤولية حماية أرواح البحارة.

لقد شاءت الأقدار أن تتحول هذه الفاجعة إلى قصة نجاة، بعدما تمكن طاقم مركب “أزهار 5” من إنقاذ 16 بحارًا من موت محقق، في مشهد يجسد أسمى قيم التضامن المهني والإنساني في عرض البحر. غير أن هذه النهاية السعيدة نسبيًا لا ينبغي أن تحجب حقيقة أكثر إيلامًا، وهي أن النجاة كانت ثمرة تدخل بشري بطولي وعناية إلهية، وليست نتيجة منظومة وقائية أثبتت فعاليتها. فلو تأخر الإنقاذ دقائق معدودة، لربما كنا اليوم أمام مأساة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الفواجع البحرية.

إن أول سؤال يفرض نفسه بعد هذه الحادثة يتعلق بسلامة المركب ذاته، وبمدى إستيفائه فعلًا للشروط التقنية التي تؤهله للإبحار. فمعايير الإستقرار والتوازن البنيوي للمراكب ليست مجرد تفاصيل هندسية، بل تمثل الضمانة الأساسية لبقائها صامدة أمام الأمواج والظروف المناخية القاسية. ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل، كيف تمنح شهادة الصلاحية للإبحار لمركب قد يحمل في أجزائه المغمورة تحت خط الماء، عيوبًا هيكلية لا تظهر إلا بعد وقوع الكارثة؟

إن فاجعة “سارة 3” تعيد فتح ملفات لم تغلق بعد، وتوقظ ذاكرة بحرية مثقلة بحوادث لا تزال آثارها حاضرة في وجدان المهنيين وعائلات البحارة. فمن اختفاء مركب “أولاد جرار”، إلى لغز “بن جلون”، مرورًا بفاجعة “تامونت” وحوادث “سيدي كاوكي” و”صحراء ماروك” و”تيليلا”، يتكرر المشهد ذاته؛ مراكب تغادر الموانئ وهي تحمل شهادات رسمية تؤكد صلاحيتها للإبحار، لكنها سرعان ما تتحول إلى ضحايا لأعطاب أو اختلالات لم تُكتشف إلا بعد فوات الأوان. وهذا التكرار لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة، بل مؤشرًا على وجود خلل يستوجب مراجعة شاملة لآليات الفحص والمراقبة.

وإذا كانت الشهادة التقنية السنوية تمثل صك الثقة الذي يسمح للمركب بمغادرة الميناء، فإن هذه الثقة ينبغي أن تبنى على معاينة ميدانية دقيقة، لا على إجراءات إدارية شكلية. فالأجزاء الأكثر حساسية في هيكل السفينة توجد تحت خط الماء، ولا يمكن تقييم حالتها إلا بعد رفع المركب وإخضاعه لفحص تقني شامل. لذلك يبقى من المشروع التساؤل عن مدى كفاية المعاينات الحالية، وعن حدود المسؤولية المهنية المترتبة عن توقيع شهادة تؤكد سلامة مركب لم يخضع لفحص كامل لمكوناته الأساسية.

إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على البحث في أسباب غرق “سارة 3″، بل يتجاوز ذلك إلى مراجعة فلسفة المراقبة التقنية برمتها. فحماية الأرواح تستوجب إسناد عمليات الفحص إلى هيئات أو مكاتب تقنية مستقلة ومعتمدة، تضم كفاءات هندسية متخصصة، وتتحمل مسؤوليتها القانونية والمهنية وفق دفتر تحملات صارم، بحيث يصبح كل توقيع على شهادة الصلاحية التزامًا حقيقيًا بحياة البحارة قبل أن يكون مجرد إجراء إداري.

وبالموازاة مع ذلك، يبدو من الضروري إعادة النظر في التنظيم المؤسساتي للرقابة، من خلال الفصل بين الجهة التي تمنح الترخيص والجهة التي تراقب احترام شروطه، انسجامًا مع مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فلا يستقيم، في أي منظومة رقابية حديثة، أن تجتمع في الجهة نفسها سلطة الترخيص وسلطة التفتيش، لأن استقلالية الرقابة هي الضمانة الأساسية للمصداقية والنجاعة.

لقد أنقذت العناية الإلهية، مدعومة بشجاعة رجال البحر على متن سفينة “أزهار 05″، أرواح طاقم “سارة 3″، لكن الرسالة التي حملتها هذه الحادثة أكبر من مجرد نجاة ستة عشر بحارًا. ما يجعلها رسالة تدعو إلى الإنتقال من ثقافة تدبير الحوادث بعد وقوعها إلى ثقافة الوقاية الإستباقية، ومن منطق استكمال الوثائق إلى منطق ضمان السلامة الفعلية. فالبحر لا يعترف بالأختام الإدارية، ولا بالشهادات الورقية، بل يعترف فقط بمتانة السفن، ودقة المراقبة، وصرامة المحاسبة. وكل تأخير في إصلاح هذا الورش لن يعني سوى إبقاء أرواح البحارة رهينة لإختلالات كان بالإمكان تداركها قبل أن تتحول إلى مآسٍ جديدة.

* عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا