قطاع الصيد والعباءة السياسية .. أي درو للحكومة القادمة في إنضاج القرار !

0
Jorgesys Html test

بقلم: عبد الخلق جيخ*

مع اقتراب مرحلة ما بعد الاستحقاقات الانتخابية التشريعية، تبرز أمام رئيس الحكومة المقبل ملفات تحتاج إلى أكثر من تدبير ظرفي أو معالجة إدارية محدودة؛ ملفات تتطلب إعادة ترتيب العلاقة بين القرار السياسي والخبرة التقنية والمصلحة العامة. وفي مقدمة هذه الملفات يبرز قطاع الصيد البحري، بما يمثله من مورد استراتيجي للأمن الغذائي الوطني ومصدر رزق لآلاف الأسر والمهنيين في المدن والقرى الساحلية، وبما تثيره آليات مراقبته وتدبيره من أسئلة متكررة حول الاستقلالية والنجاعة وتضارب الاختصاصات.

المسألة هنا لا تتعلق فقط بمن يملك سلطة إصدار القرار، وإنما بمن يراقب تنفيذ هذا القرار، وبأي درجة من الاستقلالية، وعلى أي أساس علمي ومؤسساتي. فحين توجد أجهزة منح التراخيص وتحديد الحصص والتدبير القطاعي وأجهزة المراقبة داخل البنية الإدارية نفسها، يصبح الفصل بين واضع القاعدة ومراقب احترامها أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات المحلية والاستحقاقات الانتخابية. وتشير المعطيات الواردة في هذا النداء إلى أن محاولات إحداث مسؤوليات ميدانية جديدة في مجال المراقبة، اصطدمت بتعقيدات إدارية، رغم اجتياز المعنيين بها لمسارات تقييم رسمية، وهو ما يطرح سؤالاً أكبر حول حاجة منظومة المراقبة إلى إعادة تصميم مؤسساتي يحررها من التأثيرات التي قد تفرضها تبعية المسار المهني للمراقب للجهة نفسها المشرفة على القطاع.

إن استقلالية المراقبة تعد اليوم مطلبا مهنيا ومؤسساتيا مهما. لأن المراقب الذي يظل تعيينه وترقيته وتقييم أدائه مرتبطاً عضوياً بالإدارة الوصية على القطاع قد يجد نفسه، ولو بحكم طبيعة النظام، في وضعية تجعل القرار التقني عرضة لضغوط محلية أو ظرفية. والأمر ذاته ينطبق على القرارات المرتبطة بالتراخيص والحصص ومواسم الإستغلال، حين لا تكون المشاركة المهنية والعلمية في صناعة القرار مؤطرة بما يكفي من الضمانات القانونية والمؤسساتية.

والأكثر حساسية هو موقع العلم في هذه المعادلة. فإذا كانت توصيات المعهد الوطني للبحث في مصايد الأسماك تستند إلى معطيات علمية مرتبطة بحالة المخزونات وفترات الراحة البيولوجية والاستدامة، فإن بقاء هذه التوصيات في دائرة الاستشارة غير الملزمة يترك مساحة واسعة لإعادة تفسير المعطى العلمي وفق ضرورات ظرفية. والحال أن الثروة السمكية ليست ملكاً لحكومة أو إدارة أو جيل بعينه، بل مورد عمومي يتطلب تدبيره حماية المصلحة الطويلة الأمد.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى إصلاح مؤسساتي يعيد توزيع الأدوار بوضوح، من دون استنساخ نماذج أجنبية بشكل آلي، ومن دون خلق أجهزة جديدة مكلفة. ويمكن التفكير في منظومة تقوم على ثلاثة أبعاد متكاملة: جهاز تقني يتمتع باستقلالية إدارية ومالية أكبر، وجهاز تنفيذي للمراقبة يتوفر على شروط الضبط والردع اللازمة، وهيئة تمثيلية تضمن حضور المهنيين في صناعة القرار ومتابعة تنزيله.

عبد الخالق جيخ *

وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل تحويل البنية الإدارية المكلفة بالصيد البحري إلى وكالة وطنية، بوصاية أكثر استقلالية، أحد الخيارات المطروحة للنقاش، مستلهماً بعض عناصر التجارب المقارنة، مع تكييفها مع الخصوصية المؤسساتية المغربية. كما يمكن بحث إسناد المراقبة الميدانية إلى أجهزة تتوفر أصلاً على إمكانات الضبط البحري، بما يضمن وضوحاً أكبر في الفصل بين تدبير القطاع ومراقبة احترام القواعد المنظمة له. أما على المستوى التمثيلي، فإن إحداث مجلس وطني يضم ممثلين منتخبين عن التعاونيات والجمعيات المهنية يمكن أن يوفر قناة مؤسساتية للحوار والمشاركة بشكل يعزز على المستوى الأفقي أدوار الغرف وجامعتها التي بات من المفروض تخليصها من جلبابها الإستشاري ، حتى لا يبقى  القرار التقني رهيناً بمنطق إداري أحادي.

ولا يكتمل هذا البناء من دون وضع قاعدة واضحة لمكانة البحث العلمي في القرار العمومي، عبر تعزيز القوة القانونية لتوصيات المؤسسة الوطنية المختصة بالبحث في مصايد الأسماك، مع تحديد الحالات الإستثنائية التي يمكن فيها الخروج عنها، واشتراط تعليل علمي وقانوني شفاف. فالحكامة الحقيقية لا تعني إقصاء السياسة من القطاع، وإنما تعني منع السياسة من الحلول محل العلم والتقنية، حيث تكون القرارات ذات أثر مباشر على مستقبل الثروة السمكية.

لقد آن الأوان لفتح نقاش وطني جاد حول إخراج الصيد البحري من العباءة السياسية بالمعنى الذي يجعل آليات الرقابة والتدبير رهينة بتوازنات انتخابية أو إدارية متغيرة. فالمطلوب ليس إبعاد الدولة عن القطاع، بل جعل حضورها أكثر مؤسساتية وشفافية وفعالية؛ وليس إقصاء المهنيين، بل إشراكهم ضمن قواعد واضحة؛ وليس تقييد القرار الحكومي، بل تحصينه بالعلم والقانون والمساءلة.

إن رئيس الحكومة المقبل أمام فرصة لإطلاق ورش يتجاوز عمره ولاية حكومية واحدة، لأن استدامة الثروة البحرية لا تُقاس بمردودية موسم انتخابي، وإنما بقدرة الدولة على حماية مورد سيظل حقاً للأجيال المقبلة. وإخراج المراقبة من دائرة التجاذب، وربط القرار بالمعرفة العلمية، وإرساء مشاركة مهنية حقيقية، قد يكون المدخل الضروري لإعادة بناء الثقة في قطاع ينتظر منذ سنوات حكامة أكثر استقلالية وإنصافاً ووضوحاً.

*عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا