لماذا نجحت تعاونية كوباك في الفلاحة وفشلت نظيرتها النهضة في الصيد ؟

1
Jorgesys Html test

بقلم: عبد الخالق جيخ* 

يُظهر الواقع الاقتصادي المغربي تباينًا واضحًا بين أداء التعاونيات الفلاحية ونظيراتها في قطاع الصيد البحري. ففي الوقت الذي استطاعت فيه بعض التعاونيات الفلاحية، وعلى رأسها COPAG، أن تفرض نفسها كنموذج ناجح ومندمج في السوق، عرفت تعاونيات بحرية مثل (النهضة)تعثرًا واضحًا وصل إلى حد الانهيار التام ، ويعكس هذا التباين وجود عوامل بنيوية عميقة، تتجاوز الجوانب التنظيمية إلى طبيعة كل قطاع وآليات اشتغاله.

عبد الخالق جيخ *

لقد نجحت بعض التعاونيات الفلاحية لأنها لم تكتفِ بالاعتماد على الخبرة التقليدية، بل انفتحت على الكفاءات العلمية والتقنية، وجعلت منها جزءًا أصيلًا في عملية التسيير. لم يكن حضور المهندسين والتقنيين حضورًا شكليًا أو استشاريًا، بل كان فاعلًا ومؤثرًا في رسم التوجهات واتخاذ القرار. هذا الانخراط مكّن من الانتقال من تدبير ارتجالي إلى تدبير قائم على التخطيط والمعطيات، ومن اقتصاد معيشي محدود إلى اقتصاد إنتاجي متكامل يتحكم في سلاسل القيمة من الإنتاج إلى التسويق.

بهذا المعنى، لم يكن النجاح مجرد نتيجة لوفرة الدعم أو ملاءمة الظروف، بل ثمرة وعي جماعي بأهمية العلم كرافعة للتنمية كما هو الشان في تعاونية “كوباك” . وهو وعي تُرجم إلى ممارسات ملموسة، من تحسين تقنيات الإنتاج إلى تطوير آليات التثمين والتسويق، وصولًا إلى القدرة على استثمار السياسات العمومية بفعالية، كما حدث مع مخطط المغرب الأخضر الذي وجد في هذه التعاونيات أرضية جاهزة للتنزيل السليم.

في المقابل، يكشف واقع عدد من التعاونيات البحرية عن اختلال بنيوي يتمثل في إقصاء شبه ممنهج للكفاءات العلمية، رغم توفرها. فالمفارقة الصارخة أن قطاعًا معقدًا كالصيد البحري، يتطلب معرفة دقيقة بالمصايد وسلاسل التبريد والتسويق، ما زال في كثير من الأحيان يُدار بعقلية تقليدية تغلب عليها الحسابات الضيقة والخبرة الفردية. هذا النمط من التسيير لا يفسح المجال للعلم كي يؤدي دوره، بل ينظر إليه بريبة، وكأنه  مكمل نظري لا ينسجم مع واقع البحر.

نتيجة لذلك، تظل هذه التعاونيات عاجزة عن تجاوز أدوارها المحدودة، حيث تقتصر أنشطتها على خدمات بسيطة أو وساطة تجارية، دون القدرة على خلق قيمة مضافة حقيقية. ويزداد الوضع تعقيدًا مع ضعف الحكامة، وغياب الشفافية، وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة الجماعية، مما يؤدي إلى تفكك داخلي يعرقل أي محاولة للإصلاح. وحتى البرامج الاستراتيجية مثل مخطط أليوتيس لم تحقق الأثر المرجو داخل هذه البنيات، ليس لقصور فيها، بل لعجز التعاونيات عن استيعابها وتفعيلها في غياب التأطير العلمي. صحيح أن قطاع الصيد البحري يواجه تحديات موضوعية مرتبطة بتقلبات الموارد والظروف المناخية، غير أن هذه التحديات لا تبرر الفشل بقدر ما تكشف الحاجة الملحة إلى أدوات علمية قادرة على التكيف والاستباق. فالمشكل ليس في صعوبة المجال، بل في طريقة التعامل معه.

إن الفارق الحقيقي يتجلى في أن الفلاحة، في نماذجها الناجحة، اختارت أن تجعل من المعرفة عنصرًا موجهًا للفعل، بينما ظل الصيد البحري، في كثير من تجاربه التعاونية، أسير تصور تقليدي يقصي الكفاءة ويعيد إنتاج نفس الأعطاب. ومن هنا، فإن أي حديث عن إصلاح هذا القطاع لا يمكن أن يظل حبيس الحلول التقنية الجزئية، بل ينبغي أن ينطلق من إعادة الاعتبار للعلم، وتمكين الكفاءات من مواقع القرار، وترسيخ حكامة شفافة تربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي المحصلة العامة، لا يكمن الفرق بين نموذج ناجح وآخر متعثر في اختلاف الموارد، بل في الوعي بقيمة العلم، وفي القدرة على تحويله من معرفة نظرية إلى قوة فاعلة داخل المشروع التنموي.

*عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري 

Jorgesys Html test

تعليق 1

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا