دق غطاسون متطوعون، خلال مبادرات بيئية بعدد من شواطئ المملكة شمالاً ووسطاً وجنوباً خلال هذا الصيف، ناقوس الخطر بشأن تنامي ظاهرة الشباك المتخلى عنها أو السائبة، إلى جانب النفايات البلاستيكية التي باتت تشكل تهديداً متزايداً للأنظمة البحرية والساحلية. ووثقت عمليات الغوص مشاهد مقلقة لشباك ومعدات صيد عالقة في قاع البحر، ونفايات بلاستيكية متناثرة، وسط دعوات متجددة إلى مستعملي البحر، ولا سيما مهنيي الصيد، للتعامل مع المجال البحري باعتباره ثروة مشتركة تستوجب أعلى درجات المسؤولية والوعي البيئي.

وتتطابق هذه التحذيرات مع مشاهدات الأطقم البحرية بالسواحل الجنوبية للمملكة، حيث رُصد تراكم كميات كبيرة من الغراريف البلاستيكية ومعدات الصيد المتخلى عنها على امتداد المجال البحري بين النقطتين 24.00 و24.40، بما حول بعض المواقع إلى حزام من المخلفات البلاستيكية. وأفاد بحارة بأن هذه الغراريف تعلق في الشباك بأعداد كبيرة، ما يضطر الأطقم إلى رفع معدات الصيد والتخلص منها، في عملية شاقة تؤثر كذلك على سلامة السفن والمراكب وقدرتها على المناورة، خصوصاً عندما تمتلئ الغراريف بالماء فتزداد أوزان الشباك بشكل كبير.
وتتجاوز خطورة هذه الظاهرة حدود الإضرار بالمشهد البحري، إذ تحذر دراسات دولية من حجم ما يعرف بمعدات الصيد الشبحية، وهي الشباك والمصائد والخيوط التي تفقد أو تتخلى عنها سفن الصيد وتواصل اصطياد الكائنات البحرية بصورة عشوائية. ووفق دراسة لمؤسسة بيغ ثينك شملت سبعاً من أكبر دول العالم في الصيد البحري، من بينها المغرب وبيرو وإندونيسيا والولايات المتحدة، يصل ما يُلقى أو يُفقد سنوياً إلى نحو 740 ألف كيلومتر من خيوط الصيد، وحوالي 3000 كيلومتر مربع من الشباك الخيشومية، و218 كيلومتراً مربعاً من شباك الجر، فضلاً عن عشرات الملايين من المصائد والأوعية ومليارات الخطافات الطويلة.
وتكمن المفارقة في أن معدات صُممت أصلاً لصيد الكائنات البحرية قد تتحول، بعد فقدانها، إلى أدوات قتل عشوائي تستمر في اصطياد الأسماك والسلاحف والطيور والثدييات البحرية لسنوات أو حتى لعقود. لذلك تعد معدات الصيد الشبحية من أخطر أشكال التلوث البلاستيكي، لما تخلفه من خسائر بيئية واقتصادية واجتماعية، فضلاً عن تهديدها للملاحة والصيد المستدام.
وأمام هذه التحديات، عززت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري الإطار التنظيمي بإصدار دورية بتاريخ 8 ماي 2026، انسجاماً مع الالتزامات الدولية للمملكة ومقتضيات القانون رقم 69.18 المتعلق بالتلوث الناجم عن السفن. وتضع الدورية حماية البيئة البحرية في صلب استدامة القطاع، محملة الربابنة والمجهزين ومالكي السفن وسائر المتدخلين مسؤولية قانونية مشتركة.
وتمنع الدورية بشكل مطلق إلقاء المواد البلاستيكية في البحر، بما فيها الحبال والشباك والأكياس ومخلفات حرق البلاستيك، كما تفرض خططاً لتدبير النفايات وسجلات لتتبع عمليات التخلص منها، وتلزم السفن بالتبليغ عن فقدان معدات الصيد متى شكل خطراً على الملاحة أو البيئة. كما تشدد على منع تصريف الزيوت ومخلفاتها، وتفرض تجهيزات وسجلات خاصة بالسفن المعنية.
ولا تقف المقتضيات الجديدة عند حدود التوعية، بل تقرنها بالرقابة والزجر، بعقوبات قد تصل إلى غرامات بمائة مليون درهم وعقوبات سالبة للحرية في الحالات الخطيرة. وبذلك تبرز رسالة واضحة، تؤكد أن حماية البحر مسؤولية جماعية، لأن استدامة الصيد تبدأ من احترام البحر الذي يوفر الثروة، وتنتهي بضمان بقائه سليماً للأجيال المقبلة.





























