مرآة البحر وعصيان الجغرافيا .. “سارة 3″ و”عالي 3” الواقع المتشابك !

0
Jorgesys Html test

بقلم:  عبد الخالق جيخ *

بين حادثتين تبدوان متباعدتين في تفاصيلهما، يختبئ سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح. ففي الوقت الذي كان فيه مركب الصيد “سارة 3” يصارع عيوبًا تقنية رغم حداثة بنائه قبالة سواحل الداخلة، في ظروف بحرية أعادت إلى الواجهة أسئلة السلامة البحرية واستقرار السفن، كان مركب “عالي 3” يكتب، على الضفة الأخرى من المشهد، قصة مختلفة تمامًا. فقد اختفى من ميناء العيون وسط كثير من الغموض، قبل أن يظهر مع بزوغ فجر اليوم التالي في أحد موانئ أرخبيل جزر الكناري، وعلى متنه نحو عشرين مهاجرًا غير نظامي، ليتحول من وسيلة للصيد إلى وسيلة لعبور الحدود، ومن أداة للإنتاج إلى شاهد على أزمة اجتماعية وإنسانية تتجاوز البحر نفسه.

الحادثتان لا تنتميان إلى السياق ذاته، لكنهما تلتقيان عند نقطة واحدة، كلاهما يكشف خللًا لا يصنعه البحر، بل تعكسه أمواجه. ولعل أكثر ما تكشفه هذه الوقائع هو محدودية المقاربة الأمنية عندما تتحول إلى الأداة الوحيدة لمواجهة الهجرة غير النظامية. فلا أحد يجادل في ضرورة حماية الحدود، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وتطبيق القانون، لكن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني وحده يجعلنا نعالج النتائج بينما تظل الأسباب على حالها.

فالهجرة غير النظامية ليست مجرد مخالفة قانونية، بل هي، في كثير من الحالات، تعبير عن تصدع العلاقة بين الإنسان ومحيطه الإقتصادي والإجتماعي. إنها اللحظة التي تتمرد فيها غريزة البقاء على الجغرافيا، عندما يفقد كثيرون قناعتهم بأن المستقبل ما يزال ممكنًا داخل المكان الذي ينتمون إليه.

ومن هنا فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بسبب مغادرة الناس لأوطانهم، بل بسبب استعدادهم لتحمل احتمالات الموت في سبيل ذلك. فالإنسان الذي يصعد إلى قارب متهالك لعبور المحيط، أو يغامر بالسباحة في مياه الأطلسي أو مضيق البوغاز مستعينًا بوسائل بدائية، لا يكون قد فقد خوفه من الموت، وإنما وصل إلى مرحلة أصبح فيها احتمال الموت أقل قسوة، في نظره، من الاستسلام لواقع يراه مغلق الأفق. ومن هنا تبدو العقوبات الزجرية، مهما اشتدت، عاجزة عن ردع من بات يعتبر المخاطرة بالحياة ثمنًا مقبولًا لمحاولة تغيير مصيره.

وليس كل من يركب البحر مهاجرًا بالدافع نفسه. فهناك من تدفعه الحاجة الاقتصادية والبحث عن لقمة العيش، وهناك من يهاجر بحثًا عن الكرامة بعدما أثقلته البطالة أو التهميش أو الإحساس بانعدام تكافؤ الفرص. وهناك من يسعى إلى تحقيق طموح مهني أو علمي لا يجد له مجالًا في بلده.. وإلى جانب هؤلاء جميعًا برز نموذج جديد يصنعه العصر الرقمي؛ أشخاص تشكلت تصوراتهم عن “الضفة الأخرى” عبر الصور المنتقاة التي تبثها منصات التواصل الاجتماعي، حيث يبدو النجاح دائمًا سهلًا، والحياة أكثر رفاهًا، بينما تغيب المشقة والفشل والعزلة التي يعيشها كثير من المهاجرين في الواقع.

عبد الخالق جيخ*

لقد غيرت الثورة الرقمية طبيعة الشعور بالحرمان. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه فقط بجيرانه أو أبناء مدينته، بل بعالم كامل يحمله هاتفه المحمول في جيبه. وأصبح الإحساس بالفقر أو الإقصاء لا يرتبط فقط بما يملكه الفرد، وإنما بما يراه يوميًا عند الآخرين. صحيح أن وسائل التواصل ليست سببًا للهجرة، لكنها تضاعف الإحساس بالفجوة بين الواقع والطموح، وتدفع بعض الشباب إلى الإعتقاد بأن عبور البحر هو الطريق الأقصر نحو حياة أكثر قيمة واعترافًا.

وهنا يتحول البحر إلى مساحة للمقامرة الوجودية؛ فلا يعود مجرد مجال جغرافي يفصل بين ضفتين، بل يصبح اختبارًا قاسيًا للفارق بين اليأس والأمل. وفي تلك اللحظة، تتراجع الحسابات العقلانية أمام إلحاح الرغبة في تغيير المصير، مهما بلغت كلفة المغامرة.

إن قصتي “سارة 3″ و”عالي 3” لا ترويان حكايتين منفصلتين، بل تكشفان وجهين لأزمة واحدة. الأولى تدق ناقوس الإنذار بشأن منظومة السلامة البحرية، وما تفرضه من مراجعات تقنية ورقابية لضمان أمن الأرواح في البحر. والثانية تضع المجتمع أمام أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بالتنمية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وجودة السياسات العمومية، وقدرتها على إنتاج الأمل.

فالبحر، في النهاية، لا يصنع المآسي بقدر ما يعكسها. إنه مرآة صافية لما يحدث على اليابسة. ولذلك فإن حماية الأرواح لا تبدأ فقط من تشديد المراقبة في عرض البحر، ولا من ملاحقة شبكات التهريب وحدها، وإنما تبدأ من بناء سياسات تجعل البقاء خيارًا ممكنًا، والهجرة اختيارًا لا اضطرارًا، وتجعل مركب الصيد وسيلة للعمل الكريم، لا وسيلة للفرار، ولا نعشًا عائمًا يحمل أحلامًا لم تجد مكانًا لها على اليابسة.

*عبد الخالق جيخ فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري 

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا