بقلم: شادي بوشعيب*
لم تكن الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب مجرد محطة عادية لتجديد النخب السياسية، بل شكلت منعطفا سياسيا لافتا، أعاد إلى الواجهة مجموعة من الأسئلة المرتبطة بطبيعة التحالفات الحزبية، وحدود الاختلاف بين مكونات الأغلبية السابقة، ومدى قدرة الأحزاب على تجاوز خلافاتها الانتخابية عندما يتعلق الأمر بتشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية. فبعد سنوات من التحالف الحكومي الذي جمع حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، وجد الحزبان الأول والثاني نفسيهما في مواجهة انتخابية اتسمت بتبادل الانتقادات والتراشق السياسي، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة الخلافات بينهما، وما إذا كانت ستتحول إلى قطيعة سياسية فعلية، أم أنها ستظل مجرد خلافات ظرفية فرضتها حسابات الانتخابات وموازين القوة.

لقد أفرزت انتخابات 23 شتنبر 2026 تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، مقابل 66 مقعدا لحزب التجمع الوطني للأحرار، في حين حصل حزب الاستقلال على 65 مقعدا. وهي نتائج وضعت الحزبين اللذين تقاسما تدبير الشأن الحكومي خلال الولاية السابقة أمام واقع سياسي جديد، عنوانه إعادة ترتيب الأوراق، وإعادة النظر في طبيعة العلاقات التي كانت تجمعهما. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو، هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من التنافس السياسي الحقيقي، أم أمام إعادة توزيع للأدوار داخل المشهد الحكومي، حيث تنتهي الخصومة الانتخابية بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع؟
أولا: من تحالف الأمس إلى صراع اليوم… هل كانت الخلافات حقيقية أم انتخابية؟
إن ما شهدته الحملة الانتخابية من تجاذبات بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار لا يمكن فصله عن طبيعة المنافسة على المرتبة الأولى، وعن الرغبة في توسيع النفوذ داخل المؤسسات المنتخبة. فالحزبان اللذان جمعتهما الأغلبية الحكومية بالأمس، وجدا نفسيهما اليوم في مواجهة مباشرة، تخللتها انتقادات متبادلة، واتهامات مرتبطة باستقطاب المرشحين وتدبير المجال السياسي، فضلا عن خلافات أخرى ظهرت إلى العلن خلال الحملة الانتخابية. غير أن السياسة لا تقاس فقط بما يقال في المنصات الانتخابية، بل بما يحدث بعد إعلان النتائج. فهل ستتحول تلك التصريحات إلى مواقف سياسية ثابتة، أم ستذوب أمام إغراءات المشاركة في الحكومة وتقاسم المسؤوليات؟
إن المؤشرات الأولية تشير إلى أن الخلاف داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بشأن العودة إلى التحالف مع الأصالة والمعاصرة أصبح موضوع نقاش داخلي، وأن الحسم في الموقف مرتبط بمؤسسات الحزب وقراراته التنظيمية. وهنا تبرز المفارقة السياسية التي تستحق التأمل: كيف يمكن لحزبين تبادلا الانتقادات خلال الحملة الانتخابية أن يجلسا مجددا إلى طاولة واحدة لتدبير الشأن العام، دون تقديم توضيحات للرأي العام حول طبيعة خلافاتهما السابقة؟ وهل ستكفي الحسابات العددية لتجاوز التباينات السياسية، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض على كل طرف تحديد موقف واضح من طبيعة التحالفات التي يريد بناءها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لن تكون في التصريحات وحدها، وإنما في طبيعة البرنامج الحكومي المقبل، وفي مدى الالتزام بمبدأ المسؤولية والمحاسبة.
ثانيا: وزارة الفلاحة والصيد البحري… هل نحن أمام انتقال في مراكز القرار؟
لعل من أبرز الملفات التي تستحق التوقف عندها في هذه المرحلة ملف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، بالنظر إلى أهميتها الاقتصادية والاجتماعية، وبالنظر أيضا إلى طبيعة التداخلات التي يعرفها هذا القطاع. لقد ظل حزب التجمع الوطني للأحرار حاضرا في تدبير هذا القطاع خلال السنوات الماضية، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش سياسي ومهني حول حصيلة التدبير، ومدى قدرة أي مسؤول جديد على مواصلة الإصلاحات أو إعادة النظر في الاختيارات السابقة.
وإذا آلت هذه الحقيبة الوزارية إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فإن الأمر لن يكون مجرد انتقال إداري من وزير إلى آخر، بل قد يشكل فرصة لإعادة تقييم عدد من السياسات والقرارات التي أثارت نقاشا واسعا داخل الأوساط المهنية. لكن هل سيكون الحزب مستعدا فعلا لخوض غمار إصلاح قطاع تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والإدارية، وتتحكم في بعض مفاصله علاقات متراكمة بين مختلف المتدخلين؟
إن قطاع الصيد البحري ليس قطاعا عاديا يمكن إصلاحه بمجرد إصدار القرارات أو تغيير المسؤولين. فهو منظومة معقدة تضم البحارة والمجهزين وتجار السمك بالجملة والوسطاء ومؤسسات التسويق والتوزيع، فضلا عن المؤسسات الإدارية والهيئات المهنية. ولذلك فإن أي محاولة للإصلاح لا بد أن تنطلق من تشخيص دقيق للاختلالات، والاستماع إلى مختلف الفاعلين، بعيدا عن منطق تصفية الحسابات أو إعادة توزيع النفوذ.
ثالثا: قطاع الصيد البحري… المياه الراكدة أم عمق يصعب استكشافه؟
إن الحديث عن مستقبل قطاع الصيد البحري يقتضي التوقف عند مجموعة من الإشكالات التي ظلت مطروحة لسنوات طويلة، وفي مقدمتها وضعية تجار السمك بالجملة، ومدى مشاركتهم في صناعة القرار، وطبيعة العلاقة التي تجمعهم بالمؤسسات الوصية. فإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت إطلاق برامج ومشاريع لتحديث القطاع، فإن السؤال الذي يظل مطروحا هو مدى انعكاس هذه البرامج على مختلف الفئات المهنية، وليس فقط على بعض مكوناته.
أين وصلت الإصلاحات المرتبطة بتنظيم تجارة السمك بالجملة؟ وما مصير المطالب المتعلقة بتحديث الإطار القانوني المنظم للمهنة؟ وإلى أي حد تم الأخذ بعين الاعتبار مقترحات المهنيين بشأن تطوير القوانين المنظمة للتسويق الأول والثاني؟ ثم ماذا عن الاختلالات التي يثيرها المهنيون بشأن تدبير أسواق السمك، وآليات الأداء، وشروط الولوج إلى المزادات، ومدى تكافؤ الفرص بين مختلف المتدخلين؟

إن هذه الأسئلة ليست مجرد مطالب فئوية، بل ترتبط بمستقبل قطاع اقتصادي يوفر فرص الشغل ويساهم في الأمن الغذائي الوطني. ومن هنا، فإن انتقال تدبير الوزارة إلى حزب سياسي جديد، إن حدث، ينبغي أن يكون مناسبة لفتح الملفات العالقة، لا مجرد تغيير في الأسماء والمسؤوليات. لكن الإصلاح الحقيقي يقتضي جرأة سياسية وإدارية، وقدرة على مواجهة المصالح المتشابكة، مع ضمان عدم المساس بالحقوق المشروعة للمهنيين الصغار والمتوسطين. فهل ستكون هناك إرادة سياسية حقيقية لاستكشاف عمق هذه الملفات، أم أن تشابك المصالح سيجعل أي وزير جديد يكتفي بالتدبير اليومي، تفاديا للدخول في مواجهة مع مراكز النفوذ القائمة؟
رابعا: غرف الصيد البحري… بين استقلالية القرار وإغراءات تغيير المواقع
من الملفات التي تستحق اهتماما خاصا كذلك مستقبل غرف الصيد البحري، باعتبارها مؤسسات مهنية يفترض أن تضطلع بدور أساسي في تمثيل المهنيين والدفاع عن مصالحهم، والمساهمة في بلورة السياسات العمومية المتعلقة بالقطاع. لكن التحولات السياسية التي تعرفها البلاد تطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين هذه الغرف ومكونات الأغلبية الحكومية الجديدة. فهل ستظل هذه المؤسسات وفية لأدوارها التمثيلية، وتدافع عن مصالح المهنيين وفق رؤية مستقلة، أم أن التحولات الحزبية ستنعكس على مواقف بعض مكوناتها؟
إن الخشية من انتقال بعض الفاعلين من ضفة سياسية إلى أخرى، بحثا عن ضمان استمرار النفوذ أو الحفاظ على المصالح المشتركة، تطرح إشكالية أعمق تتعلق باستقلالية المؤسسات المهنية ومدى ارتباط مواقفها بالمصالح الحقيقية للمنتسبين إليها. ولا يتعلق الأمر هنا باتهام أشخاص أو هيئات بعينها، وإنما بالتساؤل عن مدى قدرة المؤسسات المهنية على ممارسة أدوارها بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة.
فالغرف المهنية ليست مجرد امتداد للأحزاب السياسية، ولا ينبغي أن تتحول إلى فضاءات لتصفية الخلافات أو إعادة ترتيب المواقع. إن قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على تمثيل مختلف الفئات المهنية، والدفاع عن مطالبها، وممارسة النقد البناء، مهما كانت الجهة التي تتولى تدبير القطاع. وإذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تغيرا في مراكز القرار، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى قدرة هذه الغرف على الحفاظ على استقلالية مواقفها، والوفاء بالتزاماتها تجاه المهنيين.
خامسا: هل يستطيع حزب الأصالة والمعاصرة تفكيك تشابك المصالح داخل القطاع؟
إن تولي حزب الأصالة والمعاصرة مسؤولية تدبير قطاع الفلاحة والصيد البحري، في حال تحقق ذلك، سيضعه أمام تحديات تتجاوز مجرد تدبير الملفات الإدارية. فالصيد البحري قطاع تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والاجتماعية، وتوجد فيه مؤسسات لها اختصاصات متشابكة، فضلا عن علاقات مهنية وإدارية تكونت عبر سنوات طويلة. ومن ثم، فإن أي وزير جديد سيجد نفسه أمام إرث من القرارات والبرامج والاتفاقيات، بعضها حقق نتائج إيجابية، وبعضها الآخر لا يزال موضوع نقاش وانتقاد من طرف المهنيين.
والسؤال الذي ينبغي طرحه ليس ما إذا كان الحزب الجديد قادرا على تغيير كل شيء، بل هل يمتلك رؤية واضحة لتحديد الأولويات، وإرادة سياسية لمراجعة القرارات التي ثبت عدم ملاءمتها، وقدرة على إرساء قواعد جديدة للحكامة والشفافية؟
إن إصلاح القطاع لا يعني بالضرورة هدم كل ما سبق، كما أن الاستمرارية لا تعني القبول بجميع الاختيارات السابقة. بل إن المسؤولية السياسية تقتضي التمييز بين المكتسبات التي ينبغي الحفاظ عليها، والاختلالات التي تستدعي المعالجة، والملفات التي تحتاج إلى مراجعة تشاركية مع المهنيين. وفي هذا السياق، فإن الاختبار الأهم أمام أي مسؤول جديد سيكون قدرته على فتح حوار جاد مع ممثلي مختلف المهن، بما فيها الفئات التي ظلت تشعر بأن صوتها لا يصل إلى مراكز القرار.
سادسا: حزب التجمع الوطني للأحرار… هل حان وقت المراجعة السياسية؟
في المقابل، يطرح الوضع الجديد سؤالا مهما على حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي راكم تجربة طويلة في تدبير قطاع الفلاحة والصيد البحري. فبعد سنوات من تحمل المسؤولية، يصبح من الطبيعي أن يواجه الحزب أسئلة حول حصيلة التدبير، ومدى نجاح السياسات التي اعتمدها، ومدى استجابتها لتطلعات المهنيين. وإذا كان الحزب قد اختار العودة إلى المعارضة أو عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون سببا للانسحاب من النقاش العمومي أو التهرب من تقييم التجربة السابقة. فالسياسة ليست مجرد حقائب وزارية ومواقع داخل الحكومة، وإنما هي مسؤولية مستمرة تجاه المواطنين والمهنيين، سواء كان الحزب في الأغلبية أو في المعارضة.
ومن هنا، فإن المطلوب من قيادات الحزب ومناضليه هو تقديم قراءة موضوعية للتجربة السابقة، وتوضيح ما تحقق وما تعثر، والاستعداد لممارسة دور سياسي مسؤول في المرحلة المقبلة. أما إذا اختار الحزب العودة إلى التحالف الحكومي، فإن السؤال سيظل مطروحا حول كيفية تجاوز الخلافات الانتخابية، ومدى قدرته على بناء علاقة سياسية جديدة مع حزب الأصالة والمعاصرة، على أساس برنامج واضح والتزامات قابلة للتقييم. إن قوة الأحزاب لا تقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى السلطة، وإنما أيضا بقدرتها على احترام قواعد التنافس الديمقراطي، والالتزام بمواقفها، وتقديم التوضيحات اللازمة للرأي العام.
سابعا: هل نحن أمام مشهد سياسي جديد أم مجرد إعادة توزيع للأدوار؟
إن ما يميز المرحلة الحالية هو أن التحالفات السياسية أصبحت أمام اختبار حقيقي، خصوصا بعد النتائج التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة، وما رافقها من توتر بين بعض مكونات الأغلبية السابقة. لكن يبقى السؤال: هل ستنتصر الحسابات السياسية الضيقة على الاختلافات التي ظهرت خلال الحملة الانتخابية، أم أن الأحزاب ستتمكن من تحويل تلك الاختلافات إلى فرصة لإعادة بناء تحالفات قائمة على برامج واضحة؟
إن تشكيل الحكومة ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتنفيذ السياسات العمومية والاستجابة لانتظارات المواطنين. ولذلك فإن أي تحالف جديد ينبغي أن يكون قادرا على تقديم أجوبة عن القضايا الكبرى التي تواجه البلاد، وفي مقدمتها التشغيل والاستثمار والتنمية المجالية والعدالة الاجتماعية، فضلا عن إصلاح القطاعات الإنتاجية الحيوية.
أما بالنسبة إلى قطاع الصيد البحري، فإن المهنيين لا ينتظرون مجرد تغيير في الأسماء أو الشعارات، بل يتطلعون إلى معالجة الملفات التي ظلت عالقة، وإلى وضع حد للاختلالات التي تعيق تطور المهنة، وإلى بناء علاقة جديدة بين الإدارة والمهنيين، تقوم على الثقة والشفافية والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار.
ثامنا: بين المصالح الحزبية والمصلحة العامة… أين يقف المهنيون؟
إن ما يهم المهنيين في نهاية المطاف ليس الحزب الذي سيتولى تدبير الوزارة، بقدر ما يهمهم البرنامج الذي سيعتمده، ومدى استعداده للإنصات إلى مطالبهم، وقدرته على اتخاذ قرارات منصفة ومتوازنة. فقطاع الصيد البحري لا يمكن أن يظل رهينة الحسابات السياسية أو المصالح الضيقة، كما لا يمكن أن تستمر بعض الملفات في حالة جمود بسبب غياب الإرادة أو تعقيد المساطر الإدارية.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تفرض على مختلف الهيئات المهنية مراجعة أساليب اشتغالها، وتطوير آليات الترافع، وتوحيد المطالب المشتركة، بعيدا عن التبعية الحزبية أو الاصطفاف الظرفي. كما تفرض على المسؤولين الجدد، إن حدث تغيير في تدبير القطاع، الانفتاح على جميع الفاعلين، وعدم الاكتفاء بالاستماع إلى الجهات التي تتوافق معها سياسيا أو تنظيميا. فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح المعيار هو الكفاءة والشفافية والإنصاف، وليس الانتماء الحزبي أو القرب من مراكز القرار.
خاتمة: هل ستنتصر الجرأة السياسية أم منطق الاستسلام للواقع؟
إن المرحلة التي يعيشها المغرب اليوم تضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولية تاريخية، تتمثل في الانتقال من منطق التنافس الانتخابي إلى منطق المسؤولية السياسية والمؤسساتية. فإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة قد تصدر نتائج الانتخابات، فإن ذلك يضعه أمام تحدي ترجمة هذا التقدم الانتخابي إلى سياسات عمومية ملموسة، في حال توليه مسؤولية تدبير الحكومة والقطاعات الوزارية. وإذا كان حزب التجمع الوطني للأحرار قد عرف تراجعا في عدد مقاعده مقارنة بمنافسه، فإن ذلك يفتح أمامه بدوره مجالا لمراجعة تجربته وتحديد موقعه السياسي الجديد.
أما قطاع الفلاحة والصيد البحري، فإنه يستحق أكثر من مجرد تغيير في الوجوه. إنه يحتاج إلى رؤية إصلاحية شاملة، وإلى شجاعة سياسية قادرة على مواجهة الاختلالات، وإلى إرادة حقيقية لإعادة الاعتبار للمهنيين الذين يشكلون العمود الفقري لهذا القطاع. وهنا نعود إلى السؤال الذي انطلقنا منه: هل سيكون الصراع بين الحزبين على أرضية سياسية حقيقية، أم أنه سيتحول إلى مسرحية تنتهي بمجرد توزيع الحقائب الوزارية؟ وهل ستنتصر الجرأة السياسية في فتح الملفات العالقة، أم ستفرض المصالح المتشابكة منطق الاستسلام للأمر الواقع؟ وهل ستختار غرف الصيد البحري ممارسة أدوارها التمثيلية باستقلالية، أم ستتأثر بعض مواقفها بتغير موازين القوة السياسية؟ وأخيرا، هل سيمتلك أبناء حزب التجمع الوطني للأحرار الشجاعة الأدبية والسياسية لممارسة دورهم وفق موقعهم الجديد، سواء داخل الحكومة أو خارجها، بعيدا عن منطق التنقل بين المواقع والألوان الحزبية؟
إن الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة، لكن المؤكد أن قطاع الصيد البحري لم يعد يحتمل المزيد من الانتظار، وأن المهنيين يتطلعون إلى مرحلة جديدة يكون فيها الإصلاح فعلا ملموسا، لا مجرد وعود انتخابية أو شعارات سياسية. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ بتغيير لون الحزب الذي يدبر القطاع، وإنما يبدأ بتغيير طريقة التفكير في تدبيره، وبإرادة سياسية تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
*شادي بوشعيب: فاعل مهني في تجارة السمك ومهتم بقضايا الصيد البحري
























