مشروع قرار جديد يضع الغرف تحت الضغط!

0
Jorgesys Html test

بقلم : عبد الخالق جيخ *

طرحت كتابة الدولة المكلفة بالصيد مؤخرا مشروع قرار جديد  على طاولة الغرف من أحل التشاور،  يحدد المعايير التقنية للرخص المسبقة في صيغة إخبارية لا تخفي كثيراً من الارتباك. فالإدارة تدرك، في نهاية المطاف، أن رأي الغرفة، قانوناً، سيان كان بالقبول أو الرفض، وأن ما ستقوله لن يغيّر بالضرورة شيئاً في مسار القرار.

عبد الخالق جيخ *

لكن جوهر المسألة لا يكمن في هذا النقاش الشكلي حول حدود الاستشارة، بل في السؤال الأعمق، هل نحن أمام تنظيم جديد يستجيب فعلاً لاختلالات منظومة الرخص، أم أمام محاولة مستعجلة لتغطية عورات تنظيمية وسد الباب الذي هبّت منه رياح فضيحة مركب ترافيرسيا؟

القصة بدأت، في جوهرها، من سقطة إدارية بدائية حين منحت الوزارة الموافقة القبلية والصفة القانونية للمركب للإبحار نحو المغرب انطلاقاً من ميناء أجنبي، قبل أن تجد نفسها لاحقاً أمام عجز واضح عن تدبير الوضع بعد الوصول، وتدخل في متاهة من التجاذبات القانونية والقضائية كشفت هشاشة المساطر الإدارية المعتمدة.

ومن هنا يبدو أن القرار الجديد وُلد باعتباره رد فعل زجرياً بارداً، تحكمه قبل كل شيء خشية الإدارة من تكرار الخطأ نفسه، ومن أن تجد مسؤوليتها عالقة في فخ الرخصة القبلية التي تتحول، بفعل آثارها القانونية، إلى التزام بتقديم الرخصة البعدية حتى عندما تكون معالم السفينة قد تغيرت أو طرأت عليها تعديلات جوهرية.

وبدل أن تعيد الإدارة النظر في فلسفة المنظومة برمتها، اختارت، على ما يبدو، أن تحصّن نفسها أولاً. فجاء النص في صيغة تقنية ملتبسة، تفرض تطابقاً صارماً بين الرخص المسبقة وعقد جنسية السفينة، وتضع هوامش محدودة جداً لأي تجاوز، من قبيل عشرين في المائة للحمولة وعشرة في المائة للمحرك، وكأن الأرقام وحدها قادرة على معالجة واقع بحري وإنساني شديد التعقيد.

غير أن المصيبة الكبرى أن هذا الهروب إلى الحسابات التقنية قد جرى على حساب التزامات المملكة المغربية الدولية. فالمغرب صادق رسمياً على اتفاقية العمل في قطاع الصيد البحري رقم 188 الصادرة عن منظمة العمل الدولية في 16 ماي 2013، وهي اتفاقية لا تنظر إلى سفينة الصيد باعتبارها مجرد حمولة ومحرك ومساحة تشغيل، وإنما باعتبارها أيضاً فضاءً يعيش فيه البحار ويعمل وينام ويأكل ويستريح. وهنا تحديداً يبرز السؤال الذي يبدو أن واضعي المشروع لم يمنحوه ما يستحق من العناية، فأين الإنسان في هذه المعادلة؟

فالملحق الثالث من الإتفاقية يضع شروطاً واضحة لأماكن الإقامة على متن سفن الصيد، ويشدد على أن تكون ذات حجم كاف وارتفاع مناسب، وأن تُبنى وتُجهز بما يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية المتعلقة بسلامة وصحة وراحة الصيادين، بما يشمل أماكن نوم لائقة ومرافق صحية ومطابخ مجهزة تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

وعندما يحدد المشروع سقف الزيادة في الحمولة في عشرين في المائة، من دون أن يضع استثناءً قانونياً صريحاً وملزماً لفضاءات العيش والراحة، فإننا نكون أمام مفارقة مؤلمة. فالمجهز، بمنطق الربح والخسارة، وبالنظر إلى الهامش الذي تمنحه الإدارة، سيجد نفسه أمام إغراء طبيعي لتوجيه كل سنتيمتر مكعب إضافي نحو عنابر الشحن وأنظمة التبريد وزيادة القدرة على تعبئة الأسماك، بينما يبقى البحار في آخر سلم الأولويات، محشوراً في مراقد ضيقة، يعاني من ضعف التهوية ورداءة شروط النظافة وغياب الحد الأدنى من مقومات الراحة. وهنا لا يعود الأمر مجرد خلاف تقني حول نسب الحمولة أو قوة المحرك، بل يتحول إلى سؤال يتعلق بصورة المغرب عن نفسه، وبمدى احترامه لالتزاماته الدولية، وبالمكان الذي يمنحه للإنسان داخل نصوصه التنظيمية.

نحن لا نطلب المستحيل، ولا نقترح ما يتجاوز قدرة القطاع أو الإدارة. نحن نطالب فقط بالحد الأدنى من الإنسانية. أن يكون للبحار مكان يستطيع أن ينام فيه دون أن يضطر إلى تقويس ظهره، وهواء نقي يتنفسه، ومطبخ يستطيع أن يعد فيه وجبة ساخنة، وحمام يحفظ له كرامته ويستحيب لخصوصية مقاربة النوع في ظل الإقبال المتزايد لفتياتنا اللواتي أغراهم ركوب البحر وولوج القطاع  . ودفما نريده هو أن يكون للبحار حضور صريح في النصوص القانونية الوطنية، من خلال مقتضيات واضحة وملزمة، لا أن يتحول وجوده إلى مجرد رقم هامشي في جداول الوزن الإجمالي والسعة.

إن المشكلة في هذا القرار ليست أنه تقني، وإنما أنه يبدو وكأنه اختار التقنية ملاذاً للهروب من الإنسان. وحين تتحول الأرقام إلى جدار يحجب الواقع، تصبح الإدارة أسيرةً للمعادلات التي وضعتها بنفسها، ويصبح البحار مجرد عنصر ثانوي في سفينة يُقاس كل شيء فيها إلا كرامة من يعمل على متنها. فلقد أُقبر البعد الإنساني في مقصلة الحسابات الرقمية، وتحولت فرصة إعادة تنظيم قطاع بناء وإصلاح السفن  إلى محاولة لتحصين القرار الإداري أكثر مما هي فرصة لتصحيح الاختلالات المتراكمة.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد عقد جلسات للنقاش، ولا استكمال صورة إجرائية توحي بأن الجميع شارك في صناعة القرار. المطلوب أن يكون للنقاش أثر، وللاستشارة معنى، ولصوت غرف الصيد البحري وزن حقيقي، حتى وإن كان القانون قد جعل رأيها، في النهاية، سيان في ميزان القبول والرفض.

فإذا كانت الغرف لا تملك سلطة القرار، فإنها تملك على الأقل سلطة التنبيه وكشف مواطن الخلل، والدفاع عن مصالح من تمثلهم. وإذا كان رأيها استشارياً، فلا ينبغي أن يكون حضورها شكلياً. وفي القضايا التي تمس كرامة البحارة وسلامتهم وظروف عيشهم، يصبح الصمت أكثر من مجرد موقف محايد، لأنه قد يتحول إلى مشاركة غير مباشرة في تكريس الإجحاف..

* عبد الخالق جيخ، فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد( بتوضيب من البحرنيوز)

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا