قد لا يختلف إثنان بأن الإشعاع الذي أحدثه الشاب المراكشي بفيدوهاته حول أثمنة السردين بين 4 و5 دراهم ، وتسويق هذه العملية التجارية على مواقع التواصل الإجتماعي في تجارة لا تبور بالنظر لعائداتها القوية المرتبطة بالمشاهدات، لاسيما وأن العملية رافقها حماس منقطع النظير جعلت منها الترند على مواقع التواصل الإجتماعي، هي وضعية لا تختلف كثيرا عن ذلك الإحساس الذي أحدثه المنتخب المغربي وهو يتأهل لنصف كأس العالم حتى وإن كان لا مجال للمقارنة ، خصوصا وأن المغاربة فرحوا بالوصول للنصف وأدرفو الدموح بالإقصاء فيما فرح المتعاطفون مع الشاب المراكشي بأثمنته التي كان لها وقع الصدمة، وأسالو الدموع أيضا بحزن عميق وهو يتفاعلون مع إغلاق متجر التاجر الشاب.
إن هذه المقارنة تجد تبريرها حقا في علاقة المغاربة بكرة القدم كرياضة شعبية جعلت من المملكة خيارا إسترتيجيا لإستضافة كأس العالم ، فيما وفي بلد البحرين يصبح السردين الأكثر طلبا من المغاربة فقراء وأغنياء وسط فوبيا الأثمنة، التي ظلت تصاحب السردين مع حلول الشهر الفضيل، حتى أن هذا النوع السمكي أصبح اليوم مرجعا في تقييم مخططات الوزارة ، والحكم على السياسات الحكومية في هذا القطاع ، وبالتالي فأي إرتفاع لهذا النوع السمكي، تصبح مقولة “جوج بحورة..” الترند على مواقع التواصل الإجتماع، حتى وإن كانت الدولة قد عملت في السنوات الآخيرة ومن خلال مجموعة من المبادرات، الدخول بقوة على خط تموين أسواق البيع الثاني بالسردين، وتحفيز الفاعلين على إغراق السوق بالمنتوج، وكذا تقديم خيارات أخرى أمام المستهلك لتنويع حاجياته ، والإنفتاح على أنواع أخرى عبر بوابة الأسماك المجمدة .
إن ما يجعل من فيديوها الشاب المراكشي تلقى تجاوبا كبيرا ، هو ان الحديث عن السردين يأتي في سياق صعب، مشوب بالإرتباك حول المصيدة، بما فيهم المسؤولون السياسيون الذي أكدوا أن السردين هرب ، كما أن الأرقام تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن مصيدة الأسماك السطحية الصغيرة، تراجعت بشكل رهيب في السنوات الأخيرة، بإعتراف من المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري ، وتزكيه في ذلك أرقام المكتب الوطني للصيد، الذي يؤكد تقهقر الأرقام المسوقة من الأسماك السطحية الصغيرة لاسيما السردين نظير تطور مفرغات سطحية أخرى. وفي خضم هذه المعطيات كلها يخرج شاب مراكشي ليبدد المخاوف، ويعلن أن أثمنة السردين هي فقط ب 5 درهم على مشارف شهر رمضان الأبرك. فكيف لا يتفاعل المواطن المغربي مع هذا الخبر الذي تربطه علاقة وجدانية بالسردين ، وهو يرصد بأم أعينه أن هناك مواطنون يقتنون الأسماك لدى ذات الشاب في متجره الصغير، وفي مدينة ليست بالساحلية، تفد عليها الأسماك من مدن مجاورة وآخرى بعيدة . في حين أن ذات المواطن في مدينة أخرى إقتني السردين بأثمنة تفوق 15 درهما للكيلوغرام ؟
السؤال المطروح لدى المستهلك ، هل إنهارت أثمنة السردين لتصل للثمن المعلن اليوم من طرف إبن مدينة سبعة رجال، الذي شغل الناس وأصبح بطلا شعبيا على مواقع التواصل الإجتماعي بعد أن أطلقوا عليه مول الحوت في مدينة ليست بالبحرية، فالمتعارف عليه بالوسط المهني على مستوى السردين، أن هناك جغرافيا للأثمنة المتداولة ، وهنا نتحدث عن الموانئ المنتشرة شمال أكادير وجنوبه ، فعلى مستوى موانئ الشمال التي تعتمد على الدلالة في تحديد الأثمنة ، وفق مقاربة العرض والطلب وبين البائع والمشتري يفتح الله ، حيث بإمكان الأثمنة أن تنهار إلى ما دون 80 درهما للصندوق ، كما أنه بالإمكان أن تشتعل لمستويات قياسية قد تتجاوز 350 درهما للصندوق، وهنا الأثمنة قد تتراوح بين 4 دراهم وقد ترتقع لأزيد من 12 درهما فوق الأرصفة ، دون إحتساب الرسوم التي تطال هذه الأسماك ، وهي الوضعية التي تجعل أثمنة الأسماك القادمة من موانئ الدلالة غير مستقرة في سوق الإستهلاك إنخفاظا أو إرتفاعا ..
أما بالموانئ المنتشرة جنوب أكادير ، وهي موانئ تعتمد على الأثمنة المرجعية تماشيا مع الإتفاق الحاصل بين المجهزين والمصنعين، قد تصل في أقصاها إلى 3,20 درهما، وهي أثمنة تعرف بعض الزيادات وفق منطق تحت الطبلة ، غير أن هذه الأسماك إن إفترضنا أنها بالفعل بيعت بهذه الأثمنة المحددة على مستوى الموانئ ومن دون زيادات أو نقصان ، فإن هذه الأسماك ترافقها عدد من الرسوم والمصاريف .. ومعه ستصل لأسواق البيع الثاني بأثمنة تتروح بين 5 و5,50 درهما، ومعه قد تباع داخل السوق ب6 إلى 6,5 درهم للكيلوغرام ، لدا فالبيع في سوق الإستهلاك للأسماك القادمة من جنوب أكادير، وجب أن لا يتجاوز 10 إلى 12 دراهما على الأكثر. لكن كيف يمكن أن تباع الأسماك ب 5 دراهم في محلات التقسيط .
فإرتباطا بالموضوع فالسردين إد خرج من المركب أو القارب على إعتبار أن قوارب السويلكة تستهدف الأسماك السطحية الصغيرة، يعني دون المرور من القنوات الرسمية والوسطاء، وووصل إلى المتجر ، فمن طبيعة الحال سيكون الثمن في بعض الأحيان ب4 إلى 5 دراهم في حالة ما كان العرض متوزانا على مستوى الميناء، لأن السمك تخلص من كل القيود المفروضة عليه، ولم يخضع للبيع الثاني بما يواكبه أيضا من إجراءات وتدابير وإقتطاعات ، فمن يلج الموانئ سيجد عدد من قوارب الصيد التقليدي وكذا بعض بحارة الصيد الساحلي، يبيعون صناديقهم من السردين “على الله” ، وبالتالي فالمشتري عادة ما يكون تاجرا للتقسيط الذي يبقى في حاجة لتدبير بعض الصناديق، مع إستحضار السياق العام من حيث محدودية أو وفرة العرض التي تتحكم فيها رحلات الصيد والتقلبات الجوية، كما أن هذه الأسماك قد يتم إخراجها من الميناء بطرق ملتوية، دون أن تمر عبر المساطر التي تفرضها سلسلة القيمة. وهنا فالأسماك قد حصل عليها تاجر التقسيط من دون وساطات، وفي درجة إستباقية من سلسلة القيمة، وبالتالي إختزل هذه السلسلة من المركب أو الرصيف أو القارب إلى المتجر مباشرة، وهي مسافة ستصبح معها المقاربة في تحديد الأثمنة مبنية على فلسفة التاجر وأهدافه من هذه العملية.
وحتى لا نغفل السياق العام خلال هذه الأيام فمختلف الموانئ تعرف تفريغ كميات من السردين على الخصوص، وبأحجام تجارية متوسطة ومحدودة، لاسيما بموانئ الوسط بعد إنقضاء فترة الراحة البيولوجية، وبالتالي فكثير من هذه الأسماك تجد طريقها من موانئ طرفاية طانطان إفني وحتى أكادير دون إغفال الصويرة وآسفي لسوق الإستهلاك، بتنسيق بين كتابة الدولة المكلفة بالصيد والفاعلين المهنيين، بل أن المصنعين حتى وإن كانت هذه الأسماك بمنطق مقبول من طرف الوحدات الصناعية، فهم قدموا تنازلات لإعطاء الأولوية في هذه المرحلة من الموسم لسوق الإستهلاك ، في ظل الطلب المتزايد من طرف المستهلك تزامنا مع رمضان الأبرك، وهنا فموانئ الوسط على الخصوص بين آسفي وطرفاية، يعول عليها في لعب أدوار كبرى في هذه المرحلة، لاسيما وأن في الأيام الآخيرة قدمت هذه الموانئ مؤشرات إيجابية بشكل متفاوث، حيث يعول الفاعلون على إغراق السوق لدرجة الإشباع، وبأثمنة مخففة، بما يضمن التحكمة في الأثمنة وتحفيز إستقرارها في سوق اللإستهلاك، في حالة ما تمت حماية هذا العملية من طرف الأجهزة المختصة، وتم التحكم في قنواات القيمة بين البيع الأول وسوق الإستهلاك .
وحتى وإن كان المهنيون يتفهمون الأدوار المنوطة بهم خلال هذه الفترة المطبوعة بالتغيرات الجوية والتي ترخي بظلالها على منطق العرض والطلب، فإن الشاب المراكشي قد ساهم إلى حد بعيد في خلق نقاش عمومي على مستوى سمك السردين في هذه الفترة الحساسة من الموسم، حيث أن فيديوهاته دخلت كل البيوت وووصلت إلى كل الإدارات، وهو حديث المقاهي وصالونات رجال الأعمال، بالنظر لحجم إنتشار مواقع التواصل الإجتماعي، كما أنه قدم أيضا صورة نمطية عن الشاب المجتهد الذي يحب الخير للفقراء، وحبيب الفقراء الذي يعيد السردين إلى موائدهم، لكن ما يعاب على هذا التاجر الشاب، حتى وإن كنا غير مؤهلين لمحاكمة النوايا، أنه سخر تجارته إلى وسيلة درامية لرفع المشاهدات على مواقع التواصل الإجتماعي، وأرقام السوشل ميديا تؤكد ذلك، لكن على العموم فالشاب بعث برسائل حقيقية للمختلف المتدخلين، من أجل لعب أدوار كبرى في تقنين العملية التجارية عبر مختلف مراحل القيمة، وضمان مواكبتها على مستوى سوق الإستهلاك على الخصوص لحماية المستهلك من المضاربات، وتأمين الحصول على الأسماك بأثمنة واقعية بشكل يخدم مصلحة المواطن أولا وآخيرا، كان مستهلكا أو منتجا. لدى فواقع الحال من المفروض أن يقدم مقاربة واقعية للمستهلك، حتى لا يكون الخطاب في واد والواقع في واد آخر.