أكد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن عقيدة المغرب في ترسيم الحدود البحرية لا يمكن أن تقوم على سياسة الأمر الواقع، وإنما بالحوار المباشر والهادئ والبناء.
وأوضح المسؤول الحكومي في كلمة له ضمن المؤتمر الذي نظم يوم الثلاثاء بالرباط بشراكة مع معهد القانون الدولي حول “الممارسات الدولية في تحديد المجالات البحرية”، التي تلاها بالنيابة عنه رئيس ديوانه، سامي المراكشي، أن المثال الأوضح على ذلك هو ترسيم الحدود البحرية مع إسبانيا، سواء في المتوسط أو الأطلسي، حيث يُعالج الملف بروح حسن الجوار والشفافية والمصلحة المشتركة”، مشددا على أن “التعاون البحري يعكس واقعا سياسيا أعمق يتجلى في نضج الشراكة الاستراتيجية بين المغرب وإسبانيا. هذه الشراكة تتجاوز قضية الترسيم لتشمل التحديات البحرية الكبرى المشتركة. وهذا يبرهن أنه حين يختار الجوار طريق الحوار، يتحول البحر من خط فاصل إلى جسر واصل”.
وأبرز أن “قانون البحار لا يقتصر على الترسيم؛ فطموحه هو تعزيز التنمية، وبناء فضاءات للتعاون، والحفاظ على البيئة البحرية، وهذه الفلسفة تنسجم مع الرؤية البحرية التي عرضها صاحب الجلالة الملك، وخاصة في خطابه بمناسبة الذكرى الـ48 للمسيرة الخضراء سنة 2023، ذلك الخطاب الذي رسم فيه جلالته ملامح رؤية جيوستراتيجية جعلت من البعد البحري للمغرب ركيزة أساسية لتنميته ولإشعاعه القاري”.
وزاد قائلا: “من خلال الدعوة إلى تثمين الفضاء البحري واعتباره قطبا للاندماج، أدرج جلالته القدر البحري للمغرب ضمن دينامية تنموية موجهة بالأساس نحو إفريقيا. وهكذا كرس جلالة الملك البحر كرافعة أساسية للازدهار الوطني، ورابطا قاريا، وأداة للدفاع عن السيادة، حيث ربط فعلا بين الوحدة الترابية الكاملة وبين تأكيد المغرب نفسه كفاعل بحري رئيسي. وهذه الرؤية تتجاوز منطق السيادة فقط، لتشمل منظورا للاندماج الاقتصادي والبشري عبر البحر، مع إفريقيا وأوروبا بالأساس”.
وذكر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أن “المغرب جعل من فضاءاته البحرية جزءا من سيادته المسترجعة بعد الاستقلال؛ ففي سنة 1960، أُنشئت البحرية الملكية. وفي 1969، أُحدث المكتب الوطني للصيد البحري لتثمين الفضاء البحري. وفي سنة 1973، أعلن المغرب رسميا عن مياهه الإقليمية وأقر ما كان يسمى آنذاك منطقة صيد حصرية. وفي 1981، أُعلن عن المنطقة الاقتصادية الخالصة؛ ليتم في سنة 1992 وضع أولى التشريعات المتعلقة بالجرف القاري وباطنه”.
وتابع المسؤول الحكومي “هذا المسار، الذي قد يبدو متأخرا بالنسبة لدولة ذات تاريخ بحري قديم، هو في الحقيقة متزامن مع المسار العالمي، حيث كانت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مرحلة التملك الحديث للفضاءات البحرية”، مبرزا أن “المغرب، إن صح التعبير، ركب موجة المؤتمر الثالث للأمم المتحدة حول قانون البحار الذي دون القواعد المنظمة للفضاءات البحرية. ومن هنا، تعزز الارتباط بين قانون البحار والدبلوماسية”.
وسجل الوزير في هذا الإطار، “بدأ ملف توسيع الجرف القاري إلى ما وراء 200 ميل بحري، وللاحتفاء بالذكرى العشرين للمصادقة على اتفاقية مونتيغو باي، أودع المغرب في عام 2017 معلومات أولية لدى لجنة حدود الجرف القاري، وكان ذلك أكثر من مجرد تمرين تقني؛ بل فعلا سياسيا بارزا يجمع بين العلم والقانون والدفاع عن الثوابت الوطنية. ثم في 2020 خطا المغرب خطوة إضافية بتبني قانونين مهمين؛ وهما: القانون الخاص بتحديد المياه الإقليمية، والقانون الخاص بالمنطقة الاقتصادية الخالصة”.
وشدد وزير الخارجية المغربي على أن “هذه القوانين تأتي ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى تحديث تشريعاتنا الوطنية وتوضيح وتأمين حدودنا البحرية في انسجام تام مع اتفاقية 1982″، مؤكدا أن “الممارسة البحرية المغربية تكشف عن وجود ثوابت تشكل خيطا ناظما للعقيدة المغربية على هذا المستوى؛ أولها الوحدة الترابية، إذ يطبق المغرب في البحر نفس مبدأ الوحدة الوطنية المطبق على اليابسة، خاصة في الأقاليم الجنوبية حيث تمارس المملكة كامل سيادتها وفق القانون الدولي”.
وأشار ناصر بوريطة إلى أن “من هذه الثوابت أيضا الشرعية القانونية، إذ لم تعتبر المملكة المغربية يوما قانون البحار قيدا، بل أداة توازن وشرعية. ويتجلى ذلك في حرصها الدائم على أن تكون قراراتها في إطار اتفاقية 1982، ورفضها لأي نهج مخالف لها، إلى جانب ثابت رفض الأحادية، حيث إن عقيدتنا في ترسيم الحدود البحرية لا يمكن أن تقوم على سياسة الأمر الواقع. وكلما واجهنا ذلك، كنا نرد رسميا وبحزم وفق ما ينص عليه قانون البحار”.
البحرنيوز: وكالات بتصرف