من تدبير الصيد إلى سروج التبوريدة .. المندوب “نافع” في جلباب الفارس!

0
Jorgesys Html test

في صباحٍ لم يُعلن عن نفسه، وفي مكان ناءٍ عن ضوضاء المكاتب وقيود البروتوكول، لم تكن الكاميرات بانتظار أحد. هناك، في إحدى دواوير إثنين بوشان، وبين صفوف الخيل المزينة وطلقات البارود الراقصة في السماء، انبثق مشهد استثنائي: فارسٌ بجلباب وسلهام وعمامة مشدودة، بندقية في اليد وسيف على الظهر ونظرة تحمل أكثر من حكاية.

كان هو… الدكتور محمد نافع، مندوب الصيد البحري الجديد بالعيون، لكنه هنا ليس المندوب ولا الإداري الصارم، بل الفارس الذي خرج من قلب التراب المغربي، متحررًا من ربطة عنق وأرقام تقارير، ليعود إلى ذاته، إلى تاريخه، إلى ما يشبه الحلم الذي لم يُسرد بعد.

لحظة عفوية، التقطتها عدسة هاوٍ، لم تكن إلا شرارة لنقاش امتد بين الإعجاب والدهشة. فكيف لمندوب حكومي أن يتحوّل إلى فارسٍ بهذه الجاذبية؟ كيف لرجل اعتاد مراقبة سلوك القروش في عرض البحر أن يروض جواده  “الكومري” بلونه البيض الساطع ليتراقص على إيقاع البارود؟ الجواب، ببساطة، يكمن في هذا التماهي العميق مع التقاليد، ومع الذاكرة، ومع الوطن.

في بوشان، حيث لا تُقاس المقامات بالكراسي والمناصب، بل بالمحبة الصافية للخيل، وللقرآن، وللموسم، كانت الأرض تتحدث. هناك، الفقيه يقف بجوار الفارس، والطالب يُزاحم الشيخ، والكل على قلب سربة واحدة، يخيطون لحظة مغربية خالدة بلون التراب وعبق البارود. وهناك، على صهوة حصان يلمع كبريق الشمس، تعرّف الجمع على المندوب الذي لا يكتفي بالمكتب، بل ينتمي للزمن المغربي الجميل.

العارفون بخبايا الإدارة يؤكدون أن كثيرًا من مسؤولي قطاع الصيد البحري يحملون هوايات خفية، تخرجهم من روتينية الوظيفة. ونافع واحد من أولئك الذين يجيدون الإبحار على صهوة الحصان كما على صهوة المسؤولية. يجيد قراءة سلوك الموج والقروش كما يقرأ ملامح الفرس، وكأن بينه وبين الخيل لغة لا تُنطق، بل تُفهم بالعيون والحركات والنَّفَس. ولمن يعرف عالم الفروسية، فالعلاقة بين الفارس وجواده ليست فقط رياضة أو هواية، بل تربية ومدرسة. فالفرس لا ينقاد إلا لمن يحترمه، ويُجيد قيادته بثقة وسكينة. وهكذا، كما يسوس نافع فرسه وسط “السربة”، يُدبّر شؤون إدارة الصيد بنفوذ دائرته البحرية بهدوء العالم وخبرة الميداني.

في نهاية المشهد، لم يبقَ من الحدث سوى صور تسرّبت إلى منصات التواصل، وأحاديث في المجالس عن مسؤول مختلف، يعيش التراث لا يتفرج عليه، ويُشارك أبناء بلاده طقوسهم لا من باب المجاملة، بل من عمق الانتماء. وربما كانت الرسالة أبلغ من أي خطاب: المسؤول الناجح لا يُقاس فقط بما ينجزه في مكتبه، بل بما يتركه في قلوب الناس… وعلى صهوة الحصان، كانت الذاكرة تُدوَّن بلغة البارود.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا