أنهت غالبية مراكب صيد السردين بميناء طانطان عملية “سوسان الشبكة”، في خطوة ترمز إلى توقف مؤقت عن العمل تزامنًا مع عطلة عيد المولد النبوي الشريف. ويشكّل هذا التوقف محطة فصلية لإعادة ترتيب العدة البحرية واستعادة الأنفاس بعد قرابة شهرين من النشاط المتواصل ضمن موسم “البياخي الصيفي”، الذي طبعته تحديات مناخية واقتصادية أثّرت بشكل مباشر على مردودية المراكب.
وخلال الأيام الثلاثة الأخيرة، عاينت جريدة “البحرنيوز” عمليات صيانة الشباك، التي أشرف عليها الربابنة والبحارة والمجهزون على حد سواء. وقد اتسمت العملية بالهدوء والتنظيم، في مشهد يعكس مدى أهمية هذه المرحلة لدى مهنيي القطاع، إذ تم تفقد الشباك بعناية، ومعالجة الأعطاب التي لحقت بها، استعدادًا للموسم الخريفي المقبل. فالشباك ليست فقط أداة صيد، بل هي مصدر رزق وحلقة أساسية في سلسلة الإنتاج، ما يجعل العناية بها ضرورة ملحّة لضمان أداء جيد في المواسم المقبلة.
حصيلة “البياخي”: بين انتظارات المهنيين وتقلبات المصايد
بحسب مصادر مهنية محلية، لم يرقَ موسم “البياخي الصيفي” لسنة 2025 إلى مستوى التطلعات، حيث تأثر سلبًا بعوامل مناخية غير مستقرة، وبضعف ملحوظ في إنتاجية المصايد المحلية. وأمام هذا الوضع، اضطرت العديد من المراكب إلى التنقل بين موانئ أكادير وسيدي إفني وطانطان، ضمن المصيدة الأطلسية الوسطى، بحثًا عن مردودية أفضل، في سياق تُحتِّمه دينامية السوق وحرية الولوج إلى نفس الحيز البحري.
ورغم أن إحصائيات المكتب الوطني للصيد بطانطان سجلت ارتفاعًا ملحوظًا في كميات المصطادات من الأسماك السطحية، بنسبة بلغت 169% عند نهاية يوليوز الماضي على اساس سنوي، لتصل إلى أزيد من 40.143 طنا، بقيمة مالية ناهزت 150 مليون درهم (+128%)، فإن العائدات الفردية للبحارة بقيت محدودة، وفق شهادات متطابقة. حيث تراوحت حصص البحارة بين 2000 و8000 درهم فقط، بينما لم يتجاوز عدد كبير من البحارة سقف 5000 درهم، بل إن البعض منهم أنهى الموسم على وقع الخصاص بسبب تراكم الديون الناجمة عن التسبيقات.
غياب السردين… ومطالب مهنية بتوسيع نطاق الصيد
يشير فاعلون مهنيون إلى أن تراجع السردين – وهو النوع الرئيسي المستهدف في هذا النمط من الصيد – كان له أثر كبير على مردودية الموسم. ويُعد السردين حجر الزاوية في نشاط مراكب الصيد الساحلي، حتى أن هذه المراكب تُعرف في الأوساط المهنية بـ”مراكب السردين”، ومجهزوها يُلقبون بـ”السرادنية”، ما يبرز الدور الحيوي لهذا النوع في ضمان استمرارية المصانع المحلية وحركية الأسواق الوطنية.
وفي ظل هذا الغياب، تتعالى أصوات المهنيين مطالبة بفتح منطقة بحرية تمتد على مساحة 28 ميلاً بحرياً داخل المنطقة المغلقة، بما يتيح متابعة تحركات السردين نحو السواحل، ويمكّن من تخفيف الضغط على المناطق الحالية التي تشهد كثافة في النشاط وضعفاً في الكتلة الحية المستهدفة.
ترقب لما بعد العطلة… هل تنجح الراحة “في تحفيز بياخي الخريف”؟
يُعقد الأمل اليوم على انطلاق موسم “البياخي الخريفي”، الذي يُرتقب أن يبدأ عقب عطلة المولد النبوي، مع ترقب لانخفاض درجات حرارة المياه، وهو العامل الطبيعي الذي يُرجَّح أن يسهم في عودة السردين إلى نطاقات الصيد المعتادة، بما يُعيد نوعًا من التوازن إلى السوق.
وفي انتظار هذه العودة، تبقى أعين البحارة والمجهزين معلقة بما ستؤول إليه أوضاع المصايد، خاصة وأن السياق العام يفرض عليهم التعاطي مع معادلة معقدة تجمع بين ندرة المصطادات، وارتفاع تكاليف الاستغلال، وضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.