المغاربة والبحر .. خلال القرن 16 “الجزأ الأول”

1

يشكل هذا الموضوع أهمية خاصة و ذلك بالنظر الى الامكانيات التي يوفرها في فهم أسباب التفاوت الذي اخذ في الاستفحال بين شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط منذ القرن التالت عشر للميلاد. كما يمثل المجال البحري خلال القرن السادس عشر مؤشرا واقعيا لملامسة التحولات الاجتماعية و الاقتصادية و التقنية و السياسية التي تشهدها الشعوب الرائدة في هذا المجال، فما هي علاقة المغاربة بالبحر خلال  هذا القرن؟ و هل نتوفر على المادة العلمية الكافية لمقاربة هذه العلاقة؟

محمد مهناوي*

الصورة من منتدى المسافر

من المعلوم أن هذا الموضوع لم يسبق أن درس بشكل دقيق، و ذلك رغم حضوره عرضا بأغلب البحوث الأكاديمية  التي أنجزت في جانب من جوانب  تاريخ مغرب القرن السادس عشر.  وبدون شك أن سبب هذا الغياب يعود بالأساس إلي نذرة المادة العلمية المتوفرة حول الموضوع، وخاصة بمصادرنا التقليدية. فقد تعودت هذه الأخيرة إدارة ظهرها للبحر،  واذا التفتت خلفها،  فإنها لن ترى البحر إلا بعيون الدولة، ومن خلالها،  و هو ما اثر بشكل أو بأخر على الآراء التي حاولت أن تقدم تقييما عاما حول الموضوع.

فهناك من حاول أن ينطلق من عموميات بعض الإشارات الواردة عند ابن القاضي و الفشتالي او مبالغات بعض الوثائق الايبيرية، ليخلص إلى آن الدولة السعدية كانت جادة في سبيل إنشاء أسطول بحري متطور،  و قد بلغ أوجه في عصر المنصور الذهبي.

غير أن أول مساهمة حقيقية في إطار البحت من علاقة المغرب السعدي بالبحر،  دون طبل و لا مزمار، كانت مع مقال  الباحث البولوني  دربنسكي الموسوم ب : ” الجيش و الأسطول الحربي المغربيان في عهد سلاطين الدولة السعيدية ” . و رغم أن الباحث لم يخص الاسطول الحربي الا بأربع صفحات من مجموع 34 صفحة المتصمنة للمقال،  فإنه اثار مجموعة من الأسئلة حول علاقة الدولة المغربية بالبحر،  فأشار إلى ثلاث نقط أساسية :

أولها، أن الاهتمام السعدي بتملك أسطول حربي جاء بعد توقف امتد قرابة القرنين. ويكمن تانيها  في أن حدوت هذا التحول في علاقة الدولة المغربية بالبحر جاء في ظرفية تاريخية جد صعبة،  تزامنت مع هيمنة الأساطيل الأروبية،  واجتهاد الاساطيل الايبيرية في منع المغاربة من ركوب البحر و إبعادهم عن الساحل،  و ذلك عن طريق احتلال أهم الموانئ الصغيرة، وتشديد الخناق على التجار الأروبيين و منعهم من نقل أي شيء له علاقة بالملاحة البحرية إلى المغاربة .

أما النقطة الثالثة و الآخيرة، و هي التي إنصب عليها إهتمام دزبنسكي،  فقد حاول انطلاقا من الوثائق الاسبانية و البرتغالية،  و هي قليلة على أية حال،  أن يبرز المجهودات التي بذلها سلاطين الدولة السعدية منذ محمد الشيخ في سبيل إنشاء اسطول مغربي حربي،  فانتهى إلى الوقوف عند الحواجز التي حالت دون تحقيق ذلك، من مقايضة ايبيرية،  و قلة الموانئ الملائمة ، و انعدام الغابات التي توفر الاخشاب الخاصة بصناعة السفن،  و كذا اظطرار الاشراف الى مهادنة الاسبان أثناء مجابهتهم لأتراك الجزائر، وهو ما كان يعني الابتعاد عن مشروع امتلاك اسطول بحري حربي.

و اذا كان الأستاذ احمد بوشرب قد سار على نفس النهج الذي خطه دزبنسكي، فان مساهمته في الموضوع تعتبر الى يومنا هدا،  وحسب علمنا،  أهم ما قدم في موضوع علاقة المغاربة بالبحر خلال القرن السادس عشر. وذلك ضمن أعمال مناظرة نظمتها و نشرتها كلية الاداب و العلوم الانسانية بالرباط في عام 1992 ، فقد افتتح الاستاذ بوشرب مداخلته بالتأكيد على أربع ملاحظات أولية :

  • اكد في ملاحظته الأولى على محدودية استعمال البحر من طرف المغاربة، سواء في الميدان العسكري أو التجاري، فضلا عن الغدائي. و لاحظ أن هذه الوضعية كانت تتفاقم بشكل تصاعدي بعد العصر الموحدي .
  • وذكر في ملاحظته الثانية بالأهمية التي كانت للأنشطة البحرية خلال المرحلة الممتدة من القرن 3 الى القرن 18، وخاصة ما تعلق  منها بالقرصنة، و أساسا مع استقرار الحرناشيين بسلا. فضمن هذه الفترة حاول المغاربة سكانا و سلطة ” استغلال وسيلة البحر للدفاع عن أراضيهم، ومعاكسة مشاريع التوسع الايبيري بالمغرب.
  • اما الملاحظة الثالثة، فقد تركزت على أهمية التاريخ العسكري للدولة السعدية، ومساعدته في التمييز بين الأسباب العميقة للمشاكل المبكرة التي صادفتها دولة الاشراف، ورغبة السلاطين في إنشاء جيش و أسطول بحري يسمح بمجابهة المطامع الإيبيرية و التركية، و إجلاء البرتغاليين عن الموانئ المغربية المحتلة. وهو ما أدى الى ضرورة سن نظام ضريبي قادر على تمويل نفقات هذا المشروع، أوقع الدولة في مشاكل مع رعاياها .

وأثار الأستاذ بوشرب في ملاحظته الاخيرة انتباه الباحتين الى أهمية محاضر محاكم التفتيش الموجودة بالأرشيف البرتغالي، و إسهامها العلمي في دراسة مواضيع من نوع علاقة المغاربة بالبحر .

وبما أن رغبة المغاربة في العودة الى البحر جاءت في شكل ردة فعل تجاه الغزو المسيحي للساحل المغربي،  فقد ارتأى  الاستاذ بوشرب أن يذكر بالمقاصد الأساسية التى كانت  وراء هذا الغزو، و بالإمكانيات المادية و السياسية التى توفرت للايبيريين،  و تسخير ذلك لاحتلال الساحل المغربي وخاصة القسم الشمالي منه. وكان ذالك يدخل ضمن إستراتجية الدولتين الايبيريتين في الحفاظ على استقلالهما،  وضمان سلامة ملاحتهما،  وآخيرا القضاء على مخابئ القراصنة التي كانت تتكاثر على طول سواحل المغرب . و قد استشهد الباحث بمجموعة من النصوص البرتغالية التي تؤكد انشغال الملك البرتغالي بالقرصنة المغربية، واتخاذه لردود أفعال سريعة بغية حسم المسألة. وكان هذا الموضوع في مقدمة الأشياء التي يتعاون فيها الاسبان والبرتغال رغم الصراعات التي كانت بينهما في مجال الغزو.

بعد ذلك، انتقل الاستاذ بوشرت للحديت عن رغبة السلطان محمد الشيخ، منذ توحيده للمغرب’ في امتلاك اسطول حربي قادر على تسهيل مهمته في تحرير ما تبقى من المراكز المحتلة، وضمان استقلال بلاده المهددة باستمرار بواسطة الاطماع العتمانية . و في هذا السياق  أعاد ما قاله دزبنسكي في الموضوع، فوقف عند النتائج التي اسفرت عنها مجهودات السلاطين السعديين خلال النصف الثاني  من القرن السادس عشر، حيت بلغت وحدات الأسطول الحربي المغربي زمن الغالب الى ثلاتين وحدة. و ارتفع العدد الى أربعين وحدة أيام محمد المتوكل، غير أن الفوضي التي اعقبت موت احمد المنصور، يقول الاستاذ بوشرب، عصفت بكل هده المجهودات.

و انتهى الباحت الى خلاصة، افتتحها بتبرير ظاهرة عدم توفر المغرب على أسطول تجاري، فأرجع ذلك الى حالة الحصار  التي كانت عليها البلاد، و الى  الحواجز الجغرافية و السياسية والاقتصادية. و بناء عليه فقد كانت  القرصنة تمثل في آن الوقت، شكلا من أشكال الجهاد ضد النصارى، وأيضا  وسيلة للتمتع بنصيب من التجارة الدولية . و نقلا عن الفشتالي ، رأى الاستاذ بوشرب في محاولة احمد المنصور بسلا، رغبة السلطة المركزية في تأطير هده القرصنة، والانتفاع بها .

وختم الاستاذ مساهمته القيمة بالتأكيد على صعوبة التعرف بدقة على العوامل التي عاقت النشاط البحري  بالمغرب، و حالت دون اعادة انشاء اسطول حربي مغربي رغم المحاولات السعدية . وفي انتظار دراسة جادة للمسألة،  اقترح أربعة عوامل مفسرة لذالك:

1 – العوامل الجغرافية : صعوبات الإبحار بالسواحل ، غياب موانئ طبيعية امنة، ضعف الغطاء النباتي الغابوي.

2 – العوامل السياسية : عجز السلطة السعدية عن ضمان  استقرار سياسي  بالبلاد  ” ازمات الدولة، مشاكل جبائية،  اطماع عتمانية و ابيرية “

3 – اعطاء أهمية اكثر للتجارة العابرة للصحراء باعتبارها اكتر كسبا .

4 – الحصار الاروبي ومنع المغرب من استقبال المواد التي تدخل في صناعة السفن و الملاحة البحرية ككل .

يـــــــــتـــــــــــبـــــــــع….

*نشر في “البحر في تاريخ المغرب” منشورات كلية الآداب  والعلوم الإنسانية بالمحمدية سلسلسة الندوات رقم7

تعليق 1

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا