قرار محكمة العدل الأوربية.. بين التهويل والتهوين

0

بقلم: خالد البكاري

قرار محكمة العدل الأوروبية اليوم بالنسبة لي لا يجب تهويله، ولا يجب التهوين منه. فقط يجب الابتعاد عن الحديث أن القضاء الأوروبي غير مستقل، وأن القرار تحكمت فيه خلفيات استعمارية، ومثل هذه الكليشيهات الانفعالية، فالقرار اصلا ليس موجها ضد المغرب بالمعنى القانوني، بل ضد الاتحاد الأوروبي، لأن القضية كانت مرفوعة ضد اتفاق هو من أبرمه، وبالمعنى الحرفي للقانون فالطرف المدعى عليه هو الاتحاد الأوروبي وليس المغرب، لأن المحكمة الأوروبية لا ولاية قانونية لها على المغرب.

والمحامون عن المغرب والاتحاد الأوروبي وحتى إسبانيا بعثت محاميا (لأنها المتضرر الأول من إلغاء الاتفاقية، خصوصا بعد البريكسيت الذي سيجعل مستقبلا الصيد في المياه الإقليمية البريطانية محكوما باتفاقيات)، كانوا ينسقون مع بعضهم البعض لدفع المحكمة الأوروبية نحو قرار يجعل الاتفاقية غير مخالفة للقوانين الأوروبية والقانون الدولي. (المحكمة الأوروبية اختصاصها ليس الفصل في المنازعات، ولكن التقرير في مدى ملاءمة القوانين التي يكون مصدرها دولة أوروبية، أو الاتفاقيات التي يبرمها الاتحاد الأوروبي أو إحدى دولة مع جهة خارج الاتحاد، للقوانين الأوروبية والقانون الدولي، وهذا هو المقصود بعبارة الأمن القانوني للتعاقدات المبرمة الواردة في القرار).

وهذا ما يفسر سرعة صدور بيان المسؤول عن الخارجية الأوروبية ووزير الخارجية المغربي، الذي يفيد ضمنيا أن موقفهما من القرار هو واحد، وانهما سيستأنفانه، كما تحدث البلاغ بصراحة أنهما سيسعيان لتأمين الاتفاقيات الثنائية، ما يفيد أنه حتى في حالة فشلهم في الاستئناف، فإنهما سيبحثان عن صيغ قانونية لتحصين جوهر الاتفاقية ، أي بعبارة واضحة: البحث عن طريقة للالتفاف على القرار.

حديث المحكمة الأوروبية عن حق البوليساريو في الانتصاف كطرف أمام المحكمة، وكون أن الاتفاقية موضوع الطعن لم يتم فيها مشاورة سكان الصحراء، بدوره لا يجب التهويل منه او التهوين. لماذا؟

يجب العودة للوراء، فبعد رفض المحكمة الأوروبية لاتفاق سابق بين المغرب والاتحاد الأوروبي بسبب الصحراء كذلك، مما أدى إلى تعليق المغرب لمباحثاته مع الاتحاد الأوروبي لمدة ناهزت العام، تم تعديل الاتفاقية بملحقين خاصين بالفلاحة والصيد البحري في المناطق الصحراوية (اخنوش شارك حينها في المفاوضات)، وهما مركز الطعن اليوم. وحينها لما التجأت البوليساريو للطعن من جديد، كان دفاع المغرب والاتحاد الأوروبي يتمثل في كون البوليساريو ليس ممثلا لسكان الصحراء وليست له الصفة للانتصاب طرفا من جهة، ومن جهة أخرى أن السكان الصحراويين سيستفيدون من عائدات هذا الاتفاق بنسب متفق عليها، وبأن الصحراويين لهم ممثلون في المجالس المنتخبة بالمغرب. وكان قرار المحكمة الأوروبية هو عقد جلستين في مارس الماضي للاستماع لدفوعات كل الأطراف فيما يخص هاتين النقطتين. ولذلك تم التركيز عليهما في القرار.

وطبعا لا يجب التهوين من قبول البوليساريو كطرف مدني يمثل ساكنة الصحراء، فهذه السابقة قد يتم الاعتماد عليها مستقبلا أمام محاكم أخرى لخلق عراقيل امام المنتوجات المغربية القادمة من الصحراء، إذا لم يتم إلغاؤها استئنافيا، كما يمكن أن تعتمدها محاكم أوروبية مستقبلا لقبول دعاوى للبوليزاريو بهذه الصفة ضد المغرب، بما فيها قضايا أمام محكمة حقوق الإنسان الأوروبية .(سابقا كانت مثل هذه القضايا ترفع باسم جمعيات موالية أو داعمة للبوليساريو).

الآن، سيستمر الاتفاق لمدة شهرين، قبل النظر في الاستئناف المقدم من الاتحاد الأوروبي، وفي اسوء الحالات فقد عبر المغرب والاتحاد الأوروبي عن تأمينه بطرق أخرى(الالتفاف كما ذكرنا)، ولكن… ما معنى التأمين؟

إذا كان القصد استمرار الاتفاق على الأرض بأي طريقة، مع فصله عن الجانب السياسي في الموضوع، فالخاسر هو المغرب، لأن الاتفاق من حيث عائداته الاقتصادية والمالية والتجارية هو في غير صالح المغرب من الأساس، بل يمكن اعتباره هدية من المغرب للاتحاد الأوروبي من أجل موقف سياسي ضمني (الإقرار ضمنيا بسيادة المغرب على الصحراء). والدليل أنه كان هدية مبالغا فيها، هو أن الاتحاد الأوروبي لم يتمكن من تشغيل كل الرخص التي منحت له.وبالتالي فإن الملف لم يغلق، وهو مفتوح على ثلاثة احتمالات:

الأول: تمكن المغرب والاتحاد الأوروبي من ربح القضية في الاستئناف، وهذا ليس مستحيلا.
الثاني: تأمين الاتفاق عبر عقود جديدة، لضمان سريان مخرجاته، ولكن سيكون المغرب خاسرا إذا تم التغاضي عن الجانب السياسي المرتبط بالسيادة على الصحراء، مما يعني انه تنتظر المغرب مسيرة تفاوضية تتطلب دبلوماسية تتقن المناورات وتخطي الفخاخ. والثالث: إلغاء الاتفاقية، والبحث عن اتفاقيات جديدة سواء مع الاتحاد الأوروبي أو غيره على قاعدة مالية وتجارية واقتصادية محضة، يعني : البحث عن أفضل العروض من حيث قيمتها التجارية والمالية، ونسيان موضوع العائد السياسي في قضية الصحراء.

بس: رغم اني انتقدت بوريطة وخصوصا في هذه السنة، إلا أنني لا اعتقد انه يتحمل اي مسؤولية في قرار المحكمة الأوروبية اليوم، لأن الملف ليس جديدا، وعمل الخارجية انتهى بصياغة الاتفاقية (مع انها مسؤولية مشتركة تتحمل القسط الأكبر منها الحكومة التي وقعت عليها، وتمت إجازتها في البرلمان)، ثم التنسيق مع الاتحاد الأوروبي لتقديم مرافعات مشتركة (تنسيق تقني وإداري أساسا). وبالتالي فقرار المحكمة سواء أكان لصالح المغرب أو ضده ليس دليلا لا على عبقرية الخارجية المغربية ولا على ضعفها، هو قرار محكمة بناء على تقدير خاص بها، ولا داعي لتكرار كلام آخر لا صحة له حول رشاوي جزائرية، الجزائر بدورها كانت محط أحكام ضدها في المحكمة الأوروبية. وهي أضعف من أن تؤثر في قرار يمس مصالح الاتحاد الأوروبي.

بل إن المحكمة سبق وأصدرت قرارا ضد المنتجات الإسرائيلية القادمة من مستوطنات الضفة الغربية ومن الجولان، فهل من الجائز القول إن الاتحاد الأوروبي يستعمل المحكمة الأوروبية ضد إسرائيل (يومها إسرائيل اعتبرت حكم المحكمة تمييزيا وضد السامية كالعادة، ولكن اشادت بالتعاون الأوروبي الإسرائيلي). القصد هو أنه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها المحكمة الأوروبية قرارات لا تتماشى مع سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية. وهذا الأخير ليست هذه أول مرة سيلتف على قرارات المحكمة الأوروبية.

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا