يشكل البحر المتوسط فضاءً بحريًا فريدًا تتقاطع فيه السيادات الوطنية والمصالح الاقتصادية والبيئية، ما يجعله ساحة معقدة لحوكمة التنوع البيولوجي رغم صغر مساحته مقارنة بالمحيطات. فمع غياب أعالي البحار تقريبًا بسبب تداخل السواحل، تخضع مياهه إما لسيادة مباشرة أو لنطاقات اقتصادية خاصة، ما يعقّد آليات الحماية الجماعية.

وقد تم تناول هذا الموضوع بشكل مفصل في مقال نشره موقع “آخر” خبر لكاتبه محمد التفراوتي ، إذ ورغم عدم انطباق معاهدة الأمم المتحدة لحفظ التنوع البيولوجي في المناطق خارج الولاية الوطنية (BBNJ) على المتوسط، إلا أن المبادئ التي تطرحها تشكل مرجعية مهمة للمنطقة. فالمعاهدة، باعتبارها صكًا قانونيًا ملزمًا، تروج لأدوات مثل تقييم التأثيرات البيئية وإنشاء محميات بحرية فعالة، وهي أدوات قد تسهم في ردم فجوة التنفيذ التي يعاني منها المتوسط.
ويؤكد تقرير الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) أن المحميات البحرية في المتوسط تغطي أقل من 10% من المسطح البحري، في حين أن الحماية الفعلية لا تتجاوز 1.27%. بل إن الحماية الكاملة لا تشمل سوى 0.04% فقط، ما يكشف عن فجوة حادة بين الإعلانات والسياسات المنفذة فعليًا. ورغم هذه الصورة القاتمة، فهناك وفق ذات المقال، نماذج محلية ناجحة يمكن البناء عليها. ففي بحر البوران، مثلًا، جرى اعتماد خطة متعددة السنوات لحماية سمك الدنيس الوردي، تم فيها دمج المعطيات البيئية والصيدية لتحديد المناطق ذات الأولوية للحماية. كما أن الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط تستعد لتطبيق آليات جديدة لتقييم استراتيجيات الإدارة (MSE) بشكل يعزز الاستدامة.
وحسب المهتمين فالبحر الأبيض المتوسط يحتضن 11%من التنوع البحري العالمي، رغم أنه لا يمثل سوى 0.3%من حجم المحيطات. فيما يحذر الخبراء من أن غياب الحماية الجدية يعرض هذه الثروة لخطر الزوال، مع تزايد الضغط من الصيد الجائر والسياحة والتغير المناخي. غير أنه وبالرغم من هذه التحذيرات التي تناولها المقال يبقى الأمل ما زال قائمًا. فنجاح استعادة مخزون التونة الحمراء، وعودة الحياة إلى محميات مثل خليج “غوكوفا” بتركيا، يُظهر أن الاستثمار في الحماية يعود بنتائج ملموسة.
وإستنادا لأحد الخبراء يقترح المقال المنشور تحت تحت عنوان “معاهدة أعالي البحار ورسائلها المتوسطية .. المتوسط بين السيادة الوطنية والمناطق الاقتصادية”، رفع نسبة المناطق المحمية إلى 30%، وإغلاق 10% منها بالكامل أمام الأنشطة البشرية، مع تحويل قطاع الصيد إلى نشاط مستدام ومنخفض الأثر. إذ يشكل البحر المتوسط مختبرًا عالميًا للتوازن بين السيادة والمسؤولية الجماعية. ومعاهدة أعالي البحار، وإن لم تطبق مباشرة، توفر بوصلة يمكن للمنطقة اتباعها لتعزيز العدالة البيئية والاستدامة، وإعادة الحياة إلى هذا الفضاء الحيوي المشترك.


























