غرف الصيد البحري : هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم إعادة تدوير للأزمة؟

1
Jorgesys Html test

بقلم: عبد الخالق جيخ*

يشكل مشروع القانون الجديد المنظم لغرف الصيد البحري مناسبة حقيقية لإعادة فتح النقاش حول مستقبل الحكامة المهنية في قطاع استراتيجي ظل لعقود رهين اختلالات بنيوية أعاقت تطوره وحدّت من قدرة مؤسساته التمثيلية على لعب أدوارها الطبيعية. فمنذ صدور القانون المؤطر لغرف الصيد البحري سنة 1997، ساد الاعتقاد بأن المغرب دخل مرحلة جديدة في تدبير القطاع قائمة على إشراك المهنيين وتعزيز الحكامة التشاركية، غير أن الواقع كشف مع مرور الزمن أن هذه الغرف بقيت عاجزة عن التحول إلى قوة اقتراحية أو مؤسسة مهنية مستقلة تمتلك سلطة التأثير في القرار العمومي أو الدفاع الفعلي عن مصالح الفاعلين داخل المنظومة البحرية.

ثلاثة عقود تقريبًا مرت دون أن تعرف غرف الصيد البحري مراجعة حقيقية لهيكلتها أو اختصاصاتها أو طرق اشتغالها، في وقت شهد فيه القطاع تحولات عميقة مرتبطة بتدبير الموارد البحرية، وتطور الصناعات المرتبطة بالصيد، وتنامي رهانات الاستدامة والتنافسية والأمن الغذائي. غير أن الغرف ظلت، في أغلب المحطات، مجرد مؤسسات ذات حضور شكلي، تتحرك داخل هامش ضيق ترسمه الوصاية الإدارية أكثر مما تحدده حاجيات المهنيين أو انتظارات التنمية البحرية.

الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بضعف النصوص القانونية، بل أيضًا بغياب إرادة مؤسساتية لتقييم حصيلة هذه الغرف منذ تأسيسها. فقبل صياغة أي مشروع قانون جديد، كان من المفروض أن تبادر الحكومة إلى إجراء تقييم موضوعي وشامل لمسار غرف الصيد البحري، يحدد مكامن الخلل ويشخص أسباب العجز ويرصد مواطن القوة والضعف. غير أن المشروع الحالي جاء دون هذا التقييم الضروري، وكأن المطلوب مجرد إعادة ترتيب تقني لبعض المقتضيات بدل فتح ورش إصلاح عميق يلامس جوهر الأزمة.

لقد أثبتت التجربة أن منطق الوصاية ظل أحد أبرز معوقات تطور الغرف المهنية في قطاع الصيد البحري. فالاستقلالية التي منحها القانون لهذه المؤسسات بقيت استقلالية نظرية، لأن أغلب القرارات الجوهرية ظلت رهينة بموافقة الإدارة المركزية، سواء تعلق الأمر بالتدبير المالي أو الإداري أو بإحداث المصالح الملحقة أو بتنفيذ البرامج. وهكذا تحولت الغرف تدريجيًا إلى أجهزة استشارية محدودة التأثير، تقدم آراء غير ملزمة لا تملك سلطة فرضها أو الدفاع عنها، الأمر الذي أفقدها ثقة جزء واسع من المهنيين.

إلى جانب ذلك، برز تضارب المصالح كأحد أخطر الأعطاب التي أضعفت المنظومة المهنية برمتها. فبدل أن تشكل الغرف فضاءً للتوازن والتمثيلية العادلة، أصبحت في كثير من الأحيان خاضعة لهيمنة فئات محددة تمتلك النفوذ الاقتصادي والقدرة التنظيمية، مقابل تهميش فئات أخرى، خاصة البحارة والصيادين التقليديين والعاملين في الهامش الاقتصادي للقطاع. هذا الاختلال في التمثيلية جعل القرارات والمواقف المهنية تعكس أحيانًا مصالح فئات بعينها أكثر مما تعكس المصلحة العامة للقطاع.

كما أن أزمة التمويل ظلت بدورها عنصرًا بنيويًا في حالة الشلل التي تعاني منها الغرف. فالمشروع الجديد حافظ تقريبًا على نفس مصادر التمويل القديمة التي أثبت الواقع محدوديتها، مع استمرار الاعتماد على مساهمات وهبات ذات طابع نظري لا تنسجم مع طبيعة الفاعلين الاقتصاديين داخل القطاع. والنتيجة أن الغرف بقيت عاجزة عن بلورة مشاريع تنموية حقيقية أو بناء قدرات مؤسساتية مستقلة، خاصة في ظل التأخر المتكرر في صرف الميزانيات والمصادقة عليها.

المثير في المشروع الجديد أنه لم يقدم أي تصور واضح لتجاوز هذه الاختلالات، بل اكتفى بإعادة إنتاج نفس المنطق السابق بصياغات مختلفة. فالاختصاصات الممنوحة للغرف ما تزال فضفاضة وعامة، تقوم على عبارات من قبيل “المساهمة” و”إبداء الرأي” و”المشاركة”، دون منح هذه المؤسسات سلطات تقريرية حقيقية أو صلاحيات تنفيذية فعلية. وحتى مبدأ الاستشارة الإلزامية الذي جاء به المشروع لا يعدو أن يكون إجراءً شكليًا، لأن الإدارة تبقى غير ملزمة بالأخذ بمخرجات هذه الاستشارات.

وفي العمق، يبدو أن الإشكال الأكبر يتمثل في استمرار الخلط بين الدور المهني والدور الإداري داخل غرف الصيد البحري. فمن جهة تُعرّف هذه الغرف كمؤسسات عمومية خاضعة للدولة وتمول من المال العام، ومن جهة أخرى يُطلب منها تمثيل المهنيين والدفاع عن مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية. وهذا التداخل يطرح إشكالًا جوهريًا حول قدرة مؤسسة خاضعة للوصاية على الدفاع الحقيقي عن المهنيين عندما تتعارض مصالحهم مع توجهات الإدارة نفسها.

كما أن واقع غرف الصيد البحري بالمغرب يعكس تفاوتًا كبيرًا في طبيعة القضايا المطروحة من منطقة إلى أخرى، بما يؤكد أن القطاع يشتغل بمنطق جغرافي وفئوي أكثر مما يتحرك ضمن رؤية وطنية مندمجة. ففي الجنوب، تفرض قضايا الصيد التقليدي حضورها بحكم الامتداد الاجتماعي لهذا النشاط، بينما تهيمن في أكادير إشكالات المصايد السطحية والصناعات المرتبطة بالسردين، في حين تتحكم رهانات الحصص السمكية والمصايد ذات القيمة العالية في طبيعة النقاش داخل الواجهة المتوسطية والشمالية. هذا التباين يكشف غياب سياسة بحرية وطنية قادرة على توحيد الرؤية وربط المصالح المحلية باستراتيجية شاملة ومستدامة.

من هنا تبرز الحاجة إلى تجاوز المقاربة التقليدية في التعامل مع غرف الصيد البحري، وربط إصلاحها الفعلي بورش الجهوية الموسعة الذي اختاره المغرب كمدخل لإعادة توزيع الاختصاصات وتعزيز التنمية الترابية. فالغرف المهنية لا يمكن أن تستمر كمؤسسات مركزية ضعيفة التأثير، بل ينبغي أن تتحول إلى غرف جهوية حقيقية تمتلك صلاحيات تدبيرية واستشارية وتنموية مرتبطة بخصوصيات كل جهة بحرية.

إن إعادة بناء غرف الصيد على أساس جهوي قد يسمح بمنحها أدوارًا أكثر فعالية في تدبير أسواق السمك، وتنظيم عمليات التسويق، والمساهمة في تدبير فترات الراحة البيولوجية، وتتبع احترام شروط الاستغلال المستدام للموارد البحرية، والمشاركة في العمل الاجتماعي لفائدة البحارة والصيادين. غير أن نجاح هذا النموذج يظل رهينًا بتوفير شروط أساسية، في مقدمتها الاستقلالية الحقيقية عن الوصاية المركزية، وإقرار موارد مالية ذاتية ومستقرة، وإعادة هيكلة التمثيلية المهنية بشكل يضمن التوازن بين مختلف مكونات القطاع.

عبد الخالق جيخ*

كما أن البرلمان يتحمل بدوره مسؤولية أساسية في هذه المرحلة، لأن مناقشة مشروع القانون الحالي لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد تمرين تقني محدود، بل يجب أن تكون فرصة لإعادة التفكير في مستقبل الحكامة البحرية بالمغرب. فالمطلوب ليس فقط تعديل بعض المواد، بل فتح نقاش وطني حقيقي حول طبيعة المؤسسة المهنية التي يحتاجها قطاع الصيد البحري، وحول كيفية حماية الثروة السمكية وضمان العدالة المهنية والمجالية داخل هذا القطاع الحيوي.

لقد أصبح واضحًا أن استمرار منطق التعديلات الشكلية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس الأعطاب التي راكمها القطاع منذ عقود. أما الإصلاح الحقيقي، فلا يمكن أن يتحقق إلا عبر مراجعة جذرية تعيد تعريف موقع غرف الصيد البحري داخل المنظومة المؤسساتية، وتمنحها استقلالية فعلية واختصاصات واضحة ووسائل اشتغال حقيقية، بما يسمح بتحويلها من مؤسسات صورية محدودة التأثير إلى فاعل مهني وتنموي قادر على مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها الاقتصاد البحري المغربي.

وفي النهاية، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل غرف الصيد البحري، بل بمدى وجود إرادة سياسية حقيقية لإصلاح عميق يقطع مع منطق التدبير التقليدي والهيمنة الفئوية والوصاية المفرطة، ويفتح الباب أمام بناء حكامة بحرية حديثة تقوم على العدالة والشفافية والاستدامة والنجاعة المؤسساتية.

عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سايق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

Jorgesys Html test

تعليق 1

  1. للتذكير…!
    خرج إلى حيز الوجود مع بداية شهر فبراير 2021 المقرر الوزاري، الذي يحدد الهيكلة الإدارية لغرف الصيد البحري وجامعتها، الموقع والمصادق عليه من طرف كل من وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات عزيز أخنوش ووزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة محمد بنشعبون.
    https://albahrnews.com/بالوثيقة-مقرر-مشترك-لأخنوش-وبنشعبون-ي/

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا