كشف وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح أمس الثلاثاء بمجلس المستشارين، عن توجه حكومي لإحداث جامعة بحرية على الواجهة المتوسطية للمملكة، في خطوة تروم تعزيز منظومة التكوين البحري وتوفير الكفاءات المؤهلة القادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع البحري وطنياً ودولياً، وذلك في ظل تنامي الحاجة إلى موارد بشرية متخصصة تستجيب لمتطلبات الاقتصاد البحري الحديث.

وأوضح الوزير، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أن المشروع يندرج ضمن رؤية استراتيجية ترمي إلى تطوير منظومة التكوين البحري بالمغرب، ورفع قدرتها على مواكبة المستجدات التقنية والتكنولوجية التي باتت تفرض نفسها بقوة داخل مختلف المهن والأنشطة المرتبطة بالمجال البحري، سواء على مستوى الملاحة أو الخدمات اللوجستيكية أو تدبير الموانئ والنقل البحري.
وأكد أن التطورات المتلاحقة التي يعرفها القطاع، خاصة في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتحديث أنظمة الملاحة البحرية وتعزيز معايير السلامة والأمن البحري والابتكار، تفرض إعادة النظر في آليات التكوين الحالية وتوسيع العرض الأكاديمي والتقني بما يضمن تأهيل أجيال جديدة من الأطر والمهنيين، القادرين على مواكبة هذه التحولات واستثمار الفرص التي تتيحها.
وفي هذا الإطار، أشار قيوح إلى أن المغرب يواجه تحدياً حقيقياً على مستوى تأهيل الموارد البشرية البحرية، مبرزاً أن المعهد العالي للدراسات البحرية، باعتباره المؤسسة الرئيسية المكلفة بالتكوين في هذا المجال، لا يخرج سنوياً سوى ما بين 150 و170 طالباً، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى ما يقارب 1100 منصب جديد كل سنة. ويعكس هذا المعطى، بحسب الوزير، حجم الفجوة القائمة بين العرض التكويني ومتطلبات سوق الشغل، الأمر الذي يستدعي توسيع الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التكوين وإحداث مسارات أكاديمية جديدة تستجيب لحاجيات القطاع المستقبلية.
ويأتي مشروع الجامعة البحرية في سياق توجه أوسع يهدف إلى تعزيز مكانة الاقتصاد الأزرق، باعتباره أحد الرهانات التنموية الكبرى للمملكة، خاصة في ظل الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط المغرب بأهم المسارات البحرية الدولية، وما يوفره ذلك من فرص لتعزيز تنافسية الموانئ الوطنية وتطوير أنشطة النقل البحري، والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالبحر.
وأكد الوزير أن تحديث القطاع البحري لا يمكن أن يقتصر على تطوير البنيات التحتية والموانئ وتجديد الأساطيل، بل يتطلب أيضاً استثماراً موازياً في العنصر البشري، باعتباره الحلقة الأساسية في إنجاح مختلف الأوراش الإصلاحية وتحقيق النجاعة المطلوبة في تدبير الأنشطة البحرية ومواكبة التحولات العالمية المتسارعة.
وفي سياق آخر، تطرق قيوح إلى الاستعدادات الجارية لتنظيم عملية “مرحبا 2026″، مؤكداً أن وزارة النقل واللوجستيك تضع تسهيل تنقل أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج ضمن أولوياتها، بالنظر إلى الأهمية الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي تكتسيها هذه العملية السنوية.
وأوضح أن عملية “مرحبا” تعد من أكبر عمليات العبور والتنقل البشري عبر البحر الأبيض المتوسط، حيث تشمل أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون شخص خلال فترة زمنية لا تتجاوز شهرين، ما يفرض تعبئة استثنائية لمختلف المتدخلين من أجل ضمان مرورها في أفضل الظروف.
وأشار الوزير إلى أن الوزارة تواصل العمل بشكل منسق مع مختلف المؤسسات والقطاعات المعنية، من بينها مؤسسة محمد الخامس للتضامن ووزارة الداخلية والدرك الملكي والأمن الوطني وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة والوقاية المدنية، بهدف تأمين انسيابية حركة العبور وتسهيل الإجراءات الإدارية واللوجستيكية المرتبطة باستقبال أفراد الجالية وتنقلهم بين ضفتي المتوسط.
كما أبرز أن الاستعدادات شملت تعزيز العرض البحري المخصص لهذه العملية عبر توفير عدد كاف من البواخر وتأمين الربط المنتظم بين الموانئ المغربية ونظيراتها بإسبانيا وفرنسا وإيطاليا، بما يضمن الاستجابة للطلب المتزايد خلال فترة الذروة الصيفية.
وفي هذا السياق، أعلن الوزير عن دخول مجموعة من البواخر الحديثة من الجيل الجديد إلى الخدمة خلال الأيام الماضية، موضحاً أنها ستؤمن رحلات بحرية منتظمة بين موانئ جنوة وسيت وبرشلونة وطنجة، في خطوة تروم تعزيز جودة الخدمات المقدمة للمسافرين والرفع من الطاقة الاستيعابية للخطوط البحرية التي تعرف إقبالاً كبيراً خلال موسم عودة الجالية المغربية إلى أرض الوطن.
ويعكس هذا التوجه، سواء من خلال مشروع الجامعة البحرية أو عبر تعزيز جاهزية النقل البحري لعملية “مرحبا”، سعي المملكة إلى مواصلة تحديث منظومتها البحرية واللوجستيكية، عبر الاستثمار في البنية التحتية والموارد البشرية معاً، بما يعزز تنافسية القطاع ويرسخ مكانة المغرب كفاعل بحري ولوجستيكي محوري على المستوى الإقليمي والدولي.























