في سياق النقاشات المتزايدة حول التحديات التي يواجهها قطاع الصيد البحري بالمغرب، تتعالى الأصوات المهنية المطالبة بإحداث إصلاحات جذرية تضمن حماية حقوق البحارة في فترات الراحة البيولوجية التي فرضتها الضرورات البيئية. ففي ظل تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على هذه الفئة، بدأ النقاش يأخذ منحى جديدًا يستحضر بشكل ملح الحاجة إلى توفير آليات تعويض فعالة تأخذ بعين الإعتبار الأبعاد الإجتماعية لهذا القطاع المهم.

فقد باتت الراحة البيولوجية، التي أصبحت جزءًا من السياسات البيئية لحماية الموارد البحرية، تشكل تحديًا كبيرًا بالنسبة للبحارة. إذ يترتب عليها توقف نشاطات الصيد بشكل مفاجئ، مما يضع الآلاف من البحارة في حالة “بطالة قسرية” غير مبررة، وفقًا لتعبير مستشار برلماني من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الذي وجه سؤالًا إلى كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري. حيث أكد في سؤاله أن هذا التوقف يترك “آثارًا اجتماعية واقتصادية ثقيلة” على العاملين في القطاع، في وقت تحتاج فيه المملكة إلى حلول تتماشى مع التحديات البيئية التي تواجهها المصايد.
من جانب آخر، يشير المستشار إلى أن السياسات الحكومية المتعاقبة لم تساهم بشكل فعال في ضمان استدامة الثروة السمكية، بل ساعدت على استنزافها، وهو ما يعود جزئياً إلى “ضعف آليات المراقبة وتغاضي السلطات عن ممارسات بعض اللوبيات المتحكمة داخل القطاع”. وفي هذا السياق، يعتبر أن التوقفات التي تفرضها الراحة البيولوجية، والتي تهدف إلى حماية الأصناف البحرية مثل الأخطبوط والسردين، يجب أن تُرفق بإجراءات اجتماعية تراعي وضعية البحارة الذين يشكلون العمود الفقري لهذا القطاع.
الراحة البيولوجية، التي كانت في البداية بمثابة إجراء ضروري للحفاظ على التوازن الطبيعي للمصايد، تُعتبر الآن جزءًا من الحل في غياب إصلاح شامل للسياسات القطاعية. ولكن تظل النقطة الجوهرية التي يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار هي توفير تعويضات للبحارة خلال فترات التوقف، بحيث يظل هذا الإجراء البيئي لا يُحملهم عبئًا اجتماعيًا إضافيًا. هذه الفترات من البطالة القسرية تؤثر بشكل مباشر على أوضاع البحارة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل عدم وجود نظام تعويضي فعّال من قبل الدولة.
وهو توجس مركّب وفق ما اكدته الجامعة الوطنية للصيد البحري بالمغرب المنضوية تحت لواء الإتحاد المغربي للشغل ، التي عمدت بدورها إلى مراسلة كاتبة الدولة المكلفة بالصيد ، حول وضعية البحر ، مقدمة مجموعة من الملاحظات بخصوص تدبير فترة الراحة البيولوجية وإنعكاساتها الإجتماعية على رجال البحر. وأكدت الجامعة انه وبالرغم من الأهمية البيولوجية لهذه الفترة في إطار الحفاظ على إستدامة الموارد البحرية ، فإن طول مدة التوقف عن النشاط ، أفرز أثارا إجتماعية وإقتصادية واضحة على البحارة ، في ظل غياب آليات دعم مرافقة، مما يقضي اعتماد مقاربة متكاملة توازن بين البعدين البيئي والإجتماعي .
وإقترحت الجامعة دراسة إقرار آلية تعويض أو دعم إجتماعي مؤقت خلال فترة الراحة البيولوجية مراعاة للأوضاع الإجتماعية للبحارة وإلتزاماتهم الأسرية ، مع تقييم دور الراحة البيولوجية يستند إلى معطيات علمية وإجتماعية، كما دعت الجامعة إلى فتح حوار في أقرب الآجال لتدارس الملف المطلبي لرجال البحر في شموليته
وقد بدأت حملات مطلبية من قبل البحارة على السواحل الوطنية تطالب بإقرار تعويضات مالية تُقدم لهم خلال فترات الراحة البيولوجية. هذه المطالب لا تقتصر على تعزيز الدخل الفردي للبحارة فقط، بل تشمل أيضًا الحفاظ على استدامة اليد العاملة في القطاع، وهي مسألة تتطلب دعمًا من الجهات المعنية على المستويين المحلي والدولي. حيث يرى الفاعلون النقابيون أنه من الضروري إيجاد آليات تمويلية جديدة لدعم البحارة، بما في ذلك إعادة النظر في الصناديق القائمة على مستوى الموانئ ، والتي تمول بإقتطاعات من عائدات مبيعات الصيد وتحفيز أدائها ، مع التفكير في توسيع خدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في شقه المرتبط بالضمان البحري، الذي يجب أن يُحدَّث ليشمل فترات الراحة البيولوجية.
وتشدد النقابات والهيئات المهنية التي تمثل البحارة والربابنة في ذات السياق، على أهمية وجود “قرارات إجتماعية شجاعة” تراعي وضعية العاملين في القطاع، بحيث تواكب التدابير الحمائية التي تستهدف المصايد، مثل تلك التي تتعلق بالأسماك السطحية الصغيرة أو الرخويات، عبر استراتيجيات اجتماعية واضحة تحمي حقوق البحارة. هذه الإستراتيجيات يجب أن تضمن دخلاً بديلاً لهم خلال فترات التوقف عن الصيد، وهو ما يضمن لهم الاستقرار الإجتماعي والإقتصادي حتى عودة النشاط. إذ و من خلال هذا النقاش، تُطرح ضرورة النظر في حلول عملية تأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي للبحارة، الذين يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة وهشاشة الأوضاع الاقتصادية في ظل توقف النشاطات الصيدية.
وفي هذا الإطار، أكدت العديد من اللقاءات التي عقدت في سياق التغطية الاجتماعية لرجال البحر على ضرورة صياغة حلول تواكب تطلعات الفاعلين المهنيين في قطاع الصيد، الذين يطالبون بإصلاحات تضمن لهم استمرارية العمل وحقوقهم التعاقدية. ويظهر النقاش المتزايد في هذا الاتجاه الحاجة إلى تحرك عاجل من الجهات الحكومية والمهنيين لإيجاد حلول تضمن الاستدامة البيئية والاجتماعية لهذا القطاع الحيوي.


























