جيخ يكتب: تقرير العدوي بخصوص قطاع الصيد وسؤال غياب المقاربة الإجتماعية

0
Jorgesys Html test

*بقلم: عبد الخالق جيخ 

رغم القيمة المؤسساتية والمعرفية لتقرير المجلس الأعلى للحسابات حول قطاع الصيد البحري، وما يحمله من تشخيص تقني دقيق لاختلالات تدبير الموارد السمكية ومنظومات المراقبة والحكامة، فإن القراءة المتأنية لمضامينه تكشف عن فجوة مقلقة في مقاربته للعنصر البشري، الذي يشكل العمود الفقري لهذا القطاع الحيوي. فالتقرير، على أهميته، اختار أن يركز بشكل شبه كلي على الأبعاد البيئية والتقنية للإستدامة، مستغرقًا في تحليل وضعية المخزونات السمكية ومجهود الصيد وأدواته ومقاربات التدبير الإيكولوجي، في مقابل اختزال البعد الإجتماعي في أرقام إجمالية حول التشغيل، دون الغوص في واقع العمل البحري وتعقيداته اليومية.

إن الاكتفاء بالإشارة إلى عدد مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، من دون تحليل نوعي لطبيعتها، أو لشروط ممارستها، أو لمستوى الحماية الإجتماعية والصحية التي تؤطرها، يفرغ مفهوم الإستدامة من أحد مرتكزاته الأساسية. فالحديث عن مئات الآلاف من العاملين لا معنى له إن لم يُقرن بتشخيص دقيق للهشاشة، التي تطبع أوضاع فئات واسعة من البحارة والعاملين في الأنشطة المرتبطة بسلسلة القيمة السمكية، حيث يستمر انتشار العمل غير المهيكل بأشكال مختلفة، وتتسع دائرة غياب أو ضعف التغطية الصحية والتقاعدية، وترتفع حوادث الشغل والأمراض المهنية المرتبطة بقسوة العمل في البحر، في ظل علاقات شغلية غير متكافئة تكرس الإختلال في موازين القوة داخل القطاع.

كما أن التقرير لم يتوقف عند الآثار الإجتماعية العميقة للتحولات التنظيمية والبيئية التي يعرفها الصيد البحري، من تقليص لمجهود الصيد، وفرض فترات الراحة البيولوجية، وتراجع مردودية بعض المصايد، وهي إجراءات، وإن كانت ضرورية لحماية الثروة السمكية، فإنها تُلقي بكلفة مباشرة على دخل البحارة واستقرارهم الإجتماعي، من دون أن تصاحبها سياسات عمومية واضحة للتخفيف من آثارها أو مواكبة المتضررين منها.

عبد الخالق جيخ*

ويزداد هذا القصور وضوحًا حين يدعو التقرير إلى اعتماد مقاربة إيكولوجية صارمة في تدبير المصايد، من دون أن يواكب ذلك بتصور اجتماعي موازٍ يضمن نوعًا من العدالة الإنتقالية المهنية، قوامها التعويض، وإعادة التأهيل، والتكوين، والتنويع المهني لفائدة الفئات التي تدفع ثمن الحفاظ على الموارد. فاستدامة تُبنى على تضحيات غير موزعة بعدالة، ولا تحظى بالقبول الاجتماعي، تظل مهددة إما بالرفض أو بالإلتفاف في التطبيق.

إن تغييب وضعية القوى البشرية المشتغلة بالصيد عن التحليل لا يضعف فقط شمولية التقرير، بل يكشف عن رؤية إصلاحية تميل إلى التقنوقراطية أكثر مما تنفتح على البعد التنموي الشامل. فلا يمكن الحديث عن استدامة حقيقية في قطاع الصيد البحري دون إدماج البحّار باعتباره فاعلًا مركزيًا في المنظومة، وشريكًا في حماية الثروة البحرية، وليس مجرد متغير تابع لسياسات تدبير الموارد. 

*عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق ومدون مهتم بشؤون الصيد 

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا