وسط جدل مهني .. بوجدور تدشن مرحلة التعاقد الموثق في الصيد الساحلي

0
Jorgesys Html test

شهد ميناء بوجدور خطوة غير مسبوقة في تنظيم العلاقة بين المجهز والبحار مع تدشين مركبي الصيد الساحلي صنف السردين الشفق 1 والشفق 2، معلنين بذلك بداية مرحلة جديدة في تنظيم العلاقة الشغلية داخل القطاع التي كانت مبنية على مفهوم الشريك الإنتاجي لتتحول إلتعاقد صريح تنقل البحار في الصيد الساحلي لمفهوم الأجير. وهو التعاقد الذي يحددا بدقة الحقوق والواجبات، مؤطراً بذلك علاقة طالما ظلت رهينة الأعراف والتفاهمات الشفوية. إذ تأتي هذه المبادرة في لحظة نقاش محتدم حول مستقبل العلاقات المهنية في الصيد الساحلي، بين من يرى في التعاقد ضرورة إصلاحية مؤجلة، ومن يتوجس من تبعات إعادة ترتيب موازين قائمة منذ عقود.

ويضع العقد الجديد إطاراً واضحاً لمسؤوليات البحار، من الإلتزام بتنفيذ مهام الصيد وفق تعليمات القبطان، واحترام قواعد السلامة والمشاركة الفعلية في العمليات البحرية، إلى الحضور في المواعيد المتفق عليها لكل رحلة. وفي المقابل، يؤسس لنظام أجر مزدوج يقوم على أجر شهري مضمون يصل إلى عشرة أشهر في السنة، يُحتسب على أساس ثلاثين يوماً من العمل ويؤدى بالتناسب مع أيام الإشتغال الفعلية، إضافة إلى مكافأة حمولة تُحدد عن كل طن من الأسماك المصطادة. ويُصرف الحد الأدنى المضمون عبر تحويل مصرفي داخل أجل لا يتجاوز سبعة أيام من نهاية الشهر، بينما تؤدى مكافأة الحمولة في أجل أقصاه خمسة عشر يوماً، في خطوة تعزز الشفافية وتحد من التأخير الذي كان يغذي التوترات. كما ينص الإلتزام على فترات توقف اعتيادية خلال بعض المناسبات الدينية مع أداء الأجور عنها، وإمكانية التمديد في حال سوء الأحوال الجوية بناءً على توصية المالك والقبطان.

ولا يقتصر التعاقد على الجوانب المالية، بل يمتد إلى شروط العيش والعمل على متن السفينة، حيث يلتزم المالك بتوفير غذاء كاف وصحي ومياه صالحة للشرب، وضمان النظافة والراحة والسلامة، وصون كرامة البحارة وصحتهم. كما يؤكد إحترام متطلبات الصحة والسلامة والتغطية الاجتماعية وفق القوانين المغربية، بما في ذلك التأمين عن حوادث الشغل والتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ويتعهد المالك بتوفير معدات السلامة الضرورية وصيانة السفينة طبقاً للضوابط البحرية، مع إلزامية تسجيل العقد لدى السلطة المختصة وإرفاقه بقائمة الطاقم وتسليم نسخة لكل طرف، والتنصيص على حالات إنهائه سواء لأسباب مشروعة أو لعدم أداء الأجور أو لظروف خطرة، مع إخضاع النزاعات للمحاكم المختصة وفق قانون التجارة البحرية.

ويعكس هذا الانتقال من العرف إلى التوثيق تحوّلاً في النظرة إلى العمل البحري. فأنصار التعاقد يعتبرونه خطوة نحو تثبيت الحقوق وإخراج البحار من دائرة الدخل المتذبذب المرتبط بتقلبات المصيدة والموسم. في تصورهم، لا يشكل العقد مجرد وثيقة قانونية، بل مدخلاً لإعادة بناء الإستقرار الإجتماعي، عبر دخل منتظم يتيح التخطيط والإستفادة من الخدمات البنكية والإندماج في الدورة الإقتصادية، بدل نمط عيش يقوم على وفرة عابرة تتبدد سريعاً، تاركة البحار في مواجهة لايقين دائم. بالنسبة لهذه الفئة، يشكل الأجر القار المصحوب بنظام تحفيزي بداية تصحيح لإختلال تاريخي في ميزان العلاقة مع المجهز.

في المقابل، تعبّر أصوات منتقدة عن تخوفها من التغيير، في سياق لا ينفصل عن إشكالية توزيع الحصص داخل المراكب ذات المردودية العالية، حيث ظلت التوازنات الإجتماعية تحكم أكثر مما يحكم القانون. كما أن ضعف التمثيلية النقابية القادرة على عكس الواقع العددي والمعيشي للبحارة يساهم في تشويش النقاش، إذ تُطرح قضايا مصيرية في دوائر ضيقة، بينما تبقى الأغلبية منهم منشغلة بيوميات عمل شاق لا يتيح هامشاً واسعاً للتأثير في مسار الحوار.

وأبانت التجارب المقارنة في عدد من البلدان المتوسطية والشمالية ، أن النماذج التعاقدية الواضحة، القائمة على الشفافية وتقاسم المسؤوليات، قادرة على تقليص النزاعات ورفع المردودية الإجتماعية والإقتصادية في آن واحد. من هذا المنطلق، يبدو اعتماد مسار تدريجي لتفعيل العقد النموذجي خياراً عملياً، يبدأ بتجارب محدودة تُقيّم نتائجها قبل التعميم، مع التفكير في صيغ تنظيمية أكثر حكامة، كتطوير ملكية المراكب نحو أشكال شركات، بما يعزز الشفافية ويحد من تضارب المصالح، مع الإستئناس بتجربة عقود بحارة أعالي البحار وتكييفها مع خصوصيات الصيد الساحلي.

وتبرز الحاجة إلى هذا التنظيم أيضاً من واقع نزاعات متكررة ارتبطت بالتسبيقات المالية التي تتحول إلى ديون مزمنة، وبممارسات غير مؤطرة مثل تحميل البحارة مصاريف لا تقع ضمن مسؤولياتهم أو تقييد حركيتهم المهنية. في هذا السياق، يغدو العقد أداة لضبط العلاقة وتحديد الإلتزامات بوضوح، بما يحد من النزاعات ويفتح أمام البحار آفاق الإستفادة من القروض والسكن والخدمات الأساسية في إطار مؤسساتي، وهو ما ينعكس إيجاباً على الاستقرار داخل الموانئ.

وبناء على ما سبق لا يمكن عزل ورش التعاقد عن سؤال أوسع يتعلق بمستقبل قطاع يُصنف ضمن أكثر القطاعات صعوبة من حيث الإكراهات الإجتماعية والإقتصادية. فالحاجة إلى مدونة بحرية عصرية توحد النصوص المتفرقة وتواكب التحولات باتت ملحة. ورغم ما أظهره الصيد البحري من مرونة في مواجهة الأزمات، فإنه ما يزال يعتمد على شغيلة تعيش هشاشة بنيوية. من هنا، يشكل التعاقد اختباراً حقيقياً لإرادة الإصلاح:، إما أن يكون خطوة أولى نحو إعادة الإعتبار للعنصر البشري كركيزة لإستدامة القطاع، أو أن يظل تجربة معزولة في ميناء واحد، تنتظر من يمنحها أفقاً أوسع.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا