جيخ يكتب: الديمقراطية التشاركية في الصيد البحري .. بين منطق السياسة ورهان المهنية

1
Jorgesys Html test

بقلم : عبد الخالق جيخ *

في خضم التحولات التي عرفها تدبير الشأن العام خلال العقود الأخيرة، برزت الديمقراطية التشاركية كأحد المفاهيم المركزية التي تعكس انتقال الدولة من موقع الفاعل الوحيد إلى فضاء أوسع تتقاسم فيه الأدوار مع مختلف القوى الحية، خاصة المهنيين ومكونات المجتمع المدني. وقد جاء دستور 2011 ليكرّس هذا التوجه، معلناً انفتاحاً واضحاً على إشراك الفاعلين في صناعة القرار العمومي، بما يعزز شرعيته ويقوّي نجاعته. غير أن هذا التحول، رغم وجاهته النظرية، يطرح سؤالاً عملياً دقيقاً يتعلق بطبيعة هذه المشاركة وحدودها: هل ينبغي أن تمر عبر القنوات السياسية الحزبية، أم عبر تمثيليات مهنية مستقلة قادرة على التعبير عن المصالح القطاعية بموضوعية وفعالية؟

عبد الخالق جيخ *

هذا السؤال يكتسي أهمية خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع حيوي كالصيد البحري، حيث تتقاطع رهانات الإقتصاد والتشغيل والإستدامة البيئية، وحيث يصبح لأي خلل في الحكامة انعكاس مباشر على التوازنات الإجتماعية والموارد الطبيعية. وفي هذا السياق، تبرز المقارنة مع التجربة الفرنسية كمدخل غني للفهم، إذ تقدم نموذجاً متقدماً لديمقراطية تشاركية ذات بعد مهني واضح، يقوم على تمثيلية نابعة من صلب الممارسة اليومية داخل القطاع، لا من الإنتماءات السياسية أو الحسابات الإنتخابية.

في فرنسا، تتأسس الحكامة المهنية في قطاع الصيد البحري على بنية تنظيمية متدرجة تنطلق من القاعدة، حيث يتم انتخاب ممثلين محليين من داخل الموانئ والهيئات المهنية، ثم يتدرجون نحو مستويات جهوية ووطنية ضمن نظام انتخابي غير مباشر، يضمن تراكماً تمثيلياً قائماً على الخبرة والإنخراط الفعلي. هذا البناء لا يمنح المهنيين مجرد دور استشاري، بل يخول لهم صلاحيات فعلية في تدبير الموارد وتنظيم النشاط، من خلال تحديد مواسم الصيد وضبط شروط الولوج ومراقبة جهد الإستغلال، في إطار نوع من التنظيم الذاتي الذي ينسجم مع السياسات العمومية ويعزز تنفيذها.

ما يمنح هذا النموذج قوته ليس فقط بنيته التنظيمية، بل أيضاً قدرته على تحييد التجاذبات الحزبية داخل القطاع، حيث تصبح الكفاءة المهنية والإنتماء الفعلي للمهنة معيار التمثيل، بدل الولاءات السياسية أو الحسابات الظرفية. وهنا تتجلى إحدى أهم نقاط التفوق، إذ يتم إنتاج قرار مهني يعكس المعرفة الميدانية ويستند إلى مسؤولية مشتركة في حماية المورد وضمان استدامته.

في المقابل، يعكس النموذج المغربي وضعاً أكثر تعقيداً، حيث تتداخل التمثيلية المهنية مع الإعتبارات السياسية في إطار غرف الصيد البحري. ورغم أن هذه الغرف تُنتخب عبر اقتراع مباشر يمنحها شرعية عددية واسعة، فإن هذا النمط من الإنتخاب يظل عرضة لتأثيرات حزبية واضحة، سواء عبر دعم المرشحين أو إدماج الإنتخابات المهنية ضمن رهانات سياسية أوسع. وبدل أن تكون هذه المؤسسات فضاءً خالصاً للتعبير عن المصالح المهنية، تتحول في كثير من الأحيان إلى امتداد للتنافس السياسي، بما يضعف استقلاليتها ويحد من فعاليتها.

هذا التداخل ينعكس على مستوى الأداء، حيث تعاني الغرف من محدودية في التأطير المهني وتفاوت في مستويات التنظيم، إضافة إلى حضور قوي للإعتبارات العائلية والمجالية التي تطغى أحياناً على القضايا الجوهرية للقطاع. كما أن محدودية اختصاصاتها، التي تقتصر في الغالب على إبداء الرأي، تجعلها بعيدة عن دوائر القرار الفعلي، في ظل احتفاظ الإدارة المركزية بصلاحيات واسعة في التنظيم والتدبير.

ومن خلال هذا التباين، يتضح أن الإختلاف لا يكمن فقط في شكل المؤسسات، بل في الفلسفة التي تؤطرها. ففي حين يقوم النموذج الفرنسي على منطق تقاسم السلطة مع المهنيين، يستمر النموذج المغربي في الإرتكاز على مركزية القرار، مع إشراك محدود لا يرقى إلى مستوى التأثير الحقيقي. كما أن ضعف البنية المهنية وتشتت الفاعلين يشكلان عائقاً إضافياً أمام بناء تمثيلية قوية قادرة على الإضطلاع بأدوار تنظيمية متقدمة.

قد يُفسر هذا الوضع أيضاً بهاجس الحفاظ على التحكم في قطاع استراتيجي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة باستدامة الموارد البحرية، حيث يُنظر أحياناً إلى منح صلاحيات أوسع للمهنيين كخطر محتمل على التوازنات القائمة. غير أن التجارب المقارنة تُظهر أن إشراك المهنيين بشكل فعلي، ضمن إطار منظم ومؤطر، لا يضعف الدولة، بل يعزز قدرتها على التدبير، من خلال توزيع الأدوار وتحميل الجميع مسؤولية مشتركة.

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين البعد السياسي والبعد المهني، بل في كيفية بناء توازن مؤسساتي يضمن استقلالية التمثيلية المهنية دون المساس بشرعية الإطار السياسي العام. فالديمقراطية التشاركية، في جوهرها، ليست مجرد آلية لإشراك الفاعلين، بل هي منظومة متكاملة تقوم على تمكينهم من التأثير الحقيقي في القرار، وفق قواعد واضحة ومسؤولة.

من هذا المنظور، يبدو أن إصلاح حكامة قطاع الصيد البحري في المغرب لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها تحديات النجاعة والعدالة والإستدامة. ولا يتعلق الأمر باستنساخ نموذج جاهز، بقدر ما يتعلق باستلهام عناصر القوة في التجارب الناجحة، خاصة ما يرتبط بتكريس استقلالية الفاعل المهني وتعزيز دوره في تدبير القطاع، مع مراعاة الخصوصيات الوطنية.

إن الرهان اليوم ليس فقط على توسيع قاعدة المشاركة، بل على الإرتقاء بجودتها، حتى تتحول الديمقراطية التشاركية القطاعية من شعار مؤسساتي إلى ممارسة فعلية تنتج قرارات أكثر توازناً وواقعية، وتؤسس لحكامة قطاعية قادرة على مواجهة تحديات الحاضر واستشراف رهانات المستقبل.

*عبد الخالق جيخ فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

Jorgesys Html test

تعليق 1

  1. La gouvernance de la pêche maritime en France est une cogestion structurée entre l’État, la Commission Européenne (via la PCP) et les professionnels organisés en comités (CNPMEM, CRPMEM, CDPMEM) et Organisations de Producteurs (OP).
    Le CNPMEM élabore des règles de gestion, tandis que la DGAMPA gère les quotas.
    https://www.comite-peches.fr/le-cnpmem/

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا