تتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى اللقاء المرتقب بين الإدارة الوصية والفاعلين المهنيين في قطاع تجارة السمك بالجملة، في سياق يتسم بتصاعد النقاش حول الإجراءات الجديدة المرتبطة بتنظيم الأداء بواسطة الشيك داخل أسواق السمك بالجملة ومراكز الفرز الصناعي. هذا المستجد لم يُقرأ فقط باعتباره تدبيراً تنظيمياً يروم ضبط المعاملات التجارية وتأمينها، بل فتح الباب مجدداً أمام أسئلة أعمق ترتبط بمستقبل إصلاح القطاع، وحدود التوازن بين متطلبات الحكامة المالية وحماية دينامية السوق، وكذا بمآل التصورات التي طُرحت منذ سنوات لإعادة هيكلة تجارة السمك بالجملة بالمغرب.

وتأتي هذه التطورات في ظرفية دقيقة يسعى فيها قطاع الصيد البحري إلى تعزيز آليات الشفافية والرقمنة وتتبع مسار المنتوجات البحرية، في وقت ما تزال فيه تجارة السمك بالجملة تعاني اختلالات بنيوية متراكمة، تتداخل فيها الإكراهات القانونية والتنظيمية مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه آلاف المهنيين. لذلك لم يكن مستغرباً أن تثير الإجراءات الجديدة ردود فعل متباينة بين من يعتبرها خطوة ضرورية لتخليق المعاملات التجارية وضمان حقوق مختلف المتدخلين، وبين من يرى فيها توجهاً قد يكرس نوعاً من الإقصاء المالي لفئة واسعة من التجار الصغار والمتوسطين.
وعبر عدد من المهنيين، خاصة المنضوين تحت لواء الكنفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، عن تخوفهم من أن يؤدي فرض ضمانات مالية مسبقة، سواء عبر تجميد مبالغ مالية مهمة أو تقديم شيكات مضمونة، إلى خلق نوع من الانتقاء داخل السوق، بحيث تصبح القدرة على الولوج إلى المزادات مرتبطة بحجم السيولة المالية المتوفرة لدى التاجر أكثر من ارتباطها بالكفاءة المهنية أو الخبرة التجارية. ويرى هؤلاء أن مثل هذه الإجراءات، رغم وجاهة أهدافها التنظيمية، قد تؤثر على مبدأ تكافؤ الفرص وحرية المبادرة الإقتصادية، خاصة بالنسبة للتجار الصغار الذين يشكلون جزءاً مهماً من النسيج المهني المرتبط بتسويق المنتوجات البحرية.
غير أن هذا الجدل أعاد في العمق إحياء النقاش حول واقع تجارة السمك بالجملة بالمغرب، وحول مدى الحاجة إلى إصلاح هيكلي شامل يتجاوز الحلول الظرفية والتدابير التقنية. فالمعطيات الرسمية الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات كشفت بوضوح حجم الإختلال القائم بين عدد الرخص الممنوحة وحجم النشاط الفعلي داخل السوق. إذ بلغ عدد تراخيص تجار البيع بالجملة إلى حدود أكتوبر 2024 ما مجموعه 9526 ترخيصاً، في حين لا يمارس النشاط بشكل فعلي سوى 4346 تاجراً، أي أقل من نصف العدد الإجمالي. وهو معطى يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بفعالية منظومة الترخيص، وبقدرة الدولة على تتبع حركة المنتوجات البحرية وضبط مسارها داخل السوق الوطنية.
هذه الأرقام تعيد إلى الواجهة أيضاً خلاصات سابقة خلصت إليها دراسات متخصصة حول واقع تجارة السمك بالجملة، والتي أكدت منذ سنوات وجود هوة واسعة بين عدد البطاقات المهنية الممنوحة وحجم الممارسة الحقيقية للنشاط. كما أشارت تلك الدراسات إلى أن عدداً محدوداً فقط من التجار يحقق أرقام معاملات مرتفعة، في مقابل حضور واسع لتجار صغار يشتغلون بإمكانيات مالية محدودة وهامش تحرك ضيق. ومن هنا برزت آنذاك توصيات تدعو إلى إعادة هيكلة القطاع عبر تشجيع التجار الصغار على الانخراط في صيغ تنظيمية أكثر قوة، سواء من خلال مجموعات ذات نفع اقتصادي أو شركات مهنية قادرة على تعزيز القدرة الشرائية وتوفير ضمانات مالية أكثر استقراراً.
ويبدو أن الإجراءات الجديدة الخاصة بالأداء بواسطة الشيك تتحرك ضمن هذا التوجه العام الرامي إلى إرساء معاملات أكثر أماناً وشفافية، خاصة في ظل التوسع المتواصل لرقمنة المزادات داخل أسواق السمك للبيع الأول ومراكز الفرز. فاعتماد المعاملات الإلكترونية والرقمية يفرض بطبيعته وجود ضمانات مالية فورية تؤمن سرعة الأداء وتحمي حقوق مختلف الأطراف المتدخلة في العملية التجارية، سواء تعلق الأمر بالمجهزين أو البحارة أو التجار أو المؤسسات المشرفة على تدبير السوق والمءسسات الشريكة. كما أن المكتب الوطني للصيد، من خلال إلزام الراغبين في الأداء بواسطة الشيك بتوفير رصيد مسبق أو الإدلاء بشيكات مصادق عليها، يسعى إلى الحد من مخاطر الشيكات بدون مؤونة وما يترتب عنها من نزاعات وتأخر في تسوية المعاملات.
في المقابل، يرى جزء من المهنيين أن الانتقال نحو هذا النموذج التنظيمي لا يمكن أن يتم بمنطق الزجر أو الفرض المباشر فقط، بل يحتاج إلى مقاربة تدريجية تراعي الواقع الاقتصادي للتجار، خاصة الفئات الصغيرة والمتوسطة التي تواجه صعوبات مرتبطة بالتمويل والسيولة. فنجاح أي إصلاح داخل قطاع تجارة السمك بالجملة يظل رهيناً بقدرة السياسات العمومية على توفير المواكبة والدعم والتأهيل، سواء عبر تسهيل الولوج إلى التمويل البنكي أو عبر برامج التكوين والتأطير المهني، إلى جانب تبسيط المساطر الإدارية وتعزيز الثقة بين الإدارة والمهنيين.
وتبرز أهمية هذا النقاش أكثر بالنظر إلى الرهانات الكبرى المرتبطة بتثمين المنتوجات البحرية وضمان استدامة الموارد السمكية. فالمجلس الأعلى للحسابات شدد في تقريره الأخير على أن تحسين منظومة التسويق والتتبع يشكل مدخلاً أساسياً لضمان شفافية السوق وحماية المستهلك والحفاظ على الثروة السمكية. كما أكد التقرير أن نظام تتبع المنتوجات البحرية الموجهة للسوق المحلية ما يزال محدوداً، إذ يقتصر عملياً على مرحلتي التصريح بالمصطادات والبيع الأول، في ظل غياب آليات إلزامية لتتبع المنتوج بعد مغادرته أسواق البيع الأول أو مراكز الفرز، باستثناء الكميات التي تمر عبر أسواق البيع الثاني للجملة.
هذا المعطى يفسر جزئياً توجه السلطات نحو تعزيز الرقمنة والتشدد في ضبط المعاملات المالية، باعتبار أن التحكم في مسار المنتوجات البحرية لا ينفصل عن ضبط المعاملات التجارية المرتبطة بها. كما أن تحديث الإطار القانوني المنظم للقطاع يأتي بدوره في هذا السياق، خاصة بعد مصادقة المجلس الحكومي على القانون رقم 36.23 المتعلق ببيع السمك بالجملة، والذي يهدف إلى تجاوز عدد من الاختلالات التي ظهرت خلال سنوات تطبيق القانون السابق 14.08. بما في ذلك هوة التفاواتات الحاصلة على مستوى نشاط تجارة السمك في علاقته بالبطاقة المهنية .
ويسعى القانون الجديد إلى إعادة تنظيم القطاع عبر مراجعة شروط الترخيص وتجديد الرخص وتحديث دفاتر التحملات وسجلات الأنشطة، إلى جانب تشديد المقتضيات المتعلقة بالمراقبة والعقوبات. كما يتضمن فترة انتقالية تسمح للمهنيين بتسوية أوضاعهم وفق المقتضيات الجديدة، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات الإصلاح واستمرارية النشاط الاقتصادي.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في سن القوانين أو فرض الضمانات المالية، بل في القدرة على تنزيل إصلاح متكامل يوفق بين الحكامة الاقتصادية والبعد الاجتماعي. فتجارة السمك بالجملة ليست مجرد نشاط تجاري معزول، بل حلقة مركزية داخل منظومة الصيد البحري، يرتبط بها آلاف المهنيين وسلاسل واسعة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالنقل والتوزيع والتثمين والاستهلاك. وأي اختلال في هذا التوازن قد ينعكس بشكل مباشر على استقرار الأسعار وعلى دينامية السوق وعلى أوضاع فئات واسعة تعتمد على هذا النشاط كمصدر رئيسي للدخل.
لذلك تبدو المرحلة الحالية بمثابة اختبار حقيقي لقدرة مختلف المتدخلين على بناء توافق مهني ومؤسساتي حول مستقبل القطاع. فالإدارة مطالبة بإقناع الفاعلين بأن الإجراءات الجديدة ليست آلية للإقصاء، بل مدخلاً لتنظيم السوق وتخليق الممارسة التجارية، فيما يجد المهنيون أنفسهم أمام ضرورة الانخراط في دينامية تحديث القطاع وتطوير أدوات اشتغالهم بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها الاقتصاد الوطني ومتطلبات الحكامة الحديثة.
وبين هاجس التنظيم ومطلب الإنصاف، يستمر النقاش حول تجارة السمك بالجملة باعتباره جزءاً من معركة أوسع تتعلق بتحديث الاقتصاد البحري المغربي، وتحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الشفافية والتنافسية وحماية الفاعلين الاقتصاديين، دون إغفال البعد الاجتماعي الذي يظل أساسياً في أي إصلاح يراد له أن يكون مستداماً وقابلاً للتنزيل على أرض الواقع.























