تعيش أرصفة ميناء الصيد بمدينة آسفي، منذ أيام، على وقع حركية غير مسبوقة استعداداً لإستئناف نشاط مراكب الصيد الساحلي صنف السردين، بعد توقف دام زهاء شهر ونصف في إطار الراحة البيولوجية. عودةٌ ينتظرها المهنيون بشغف، لما تحمله من آمال بانتعاش الدورة الإقتصادية، لكنها في الآن ذاته محاطة بحذر مهني تفرضه تحديات المخزون السمكي وتقلبات السوق.

وشهدت مختلف مرافق الميناء خلال الساعات الأخيرة تعبئة شاملة همّت تجهيز معدات الصيد، وإعادة ترتيب الشباك، وصيانة المحركات، ومراقبة أجهزة الملاحة والسلامة. كما إنخرطت الأطقم البحرية في إستكمال الإجراءات الإدارية المرتبطة بالتراخيص والتصاريح، والتأكد من جاهزية البحارة صحياً ومهنياً، بما يضمن انطلاقة منظمة في إحترام تام للضوابط القانونية.
وتُظهر المشاهد الميدانية شباك السردين وقد بُسطت على الأرصفة لإصلاحها وتنظيفها، في حين تتواصل عمليات التزود بالمحروقات والمواد اللوجستيكية، إستعداداً للإبحار فور إعطاء إشارة الإنطلاق الرسمية. هذه الدينامية تعكس حجم الرهان الملقى على الأيام الأولى من الموسم، التي غالباً ما تشكل مؤشراً حاسماً على منحى المرحلة المقبلة.
ولا تقتصر أهمية عودة مراكب السردين على البحارة وأرباب المراكب فحسب، بل تمتد لتشمل منظومة اقتصادية كاملة ترتبط بسلسلة تثمين السردين، من وحدات التصبير والتجميد إلى النقل والتوزيع والأسواق المحلية. فالسردين يشكل رافعة أساسية للإقتصاد البحري بآسفي، ويوفر آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة.
ويأمل الفاعلون أن تسهم هذه العودة في إعادة التوازن إلى السوق، خاصة بعد فترة التوقف التي إنعكست على العرض والطلب. كما يترقب المهنيون مؤشرات إيجابية على مستوى وفرة المصطادات وجودتها، بما يسمح بتحقيق مردودية معقولة تغطي كلفة الرحلات البحرية التي عرفت بدورها ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، خصوصاً في ما يتعلق بالمحروقات والصيانة.
ورغم الأجواء الإيجابية التي تسود الميناء، فإن المهنيين يتعاملون مع المرحلة بنوع من الواقعية. فالمخزون السمكي يخضع بدوره لعوامل طبيعية ومناخية، كما أن مؤشرات البحر لا تُقرأ إلا بعد الأيام الأولى من الصيد الفعلي. لذلك يبقى الحكم على الموسم رهيناً بنتائج الرحلات الأولى، التي ستكشف مدى إستجابة المصايد لفترة الراحة البيولوجية.

كما تظل تحديات السوق قائمة، في ظل تقلبات الأسعار وتذبذب الطلب، سواء على المستوى المحلي أو في ما يتعلق بوحدات التحويل. وهو ما يفرض تنسيقاً أكبر بين مختلف المتدخلين لضمان استقرار المنظومة وتحقيق توازن يحمي مصالح البحارة والمستهلكين في آن واحد.
ومع اقتراب لحظة الإبحار، تتجه الأنظار إلى عرض البحر، حيث ستتحدد ملامح الموسم الجديد خلال الأيام الأولى. بين التفاؤل المشروع والحذر المهني، يعوّل الجميع على أن تحمل العودة مؤشرات انتعاش حقيقية تعيد الحيوية إلى ميناء آسفي، وتؤكد أن تدبير فترات التوقف البيولوجي يظل خياراً استراتيجياً لضمان استدامة الثروة السمكية واستمرارية النشاط البحري.
وفي انتظار أولى الحمُولات، يبقى السؤال معلقاً، هل ستُترجم هذه التحضيرات المكثفة إلى موسم واعد يعيد التوازن إلى القطاع، أم أن تحديات المرحلة ستفرض إيقاعاً أكثر تحفظاً؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

























