بقلم : عبد الخالق جيخ
في الخامس من يونيو 2025 التأم إجتماع بمقر كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري في الرباط، لعرض الحالة الراهنة لمخزون الأسماك السطحية، وفي مقدمتها السردين، وبحث السبل الكفيلة بضمان استدامته. كان الهدف المعلن واضحًا، وقف نزيف المصايد قبل أن يتحول التراجع المسجل في المؤشرات العلمية إلى أزمة بنيوية يصعب تداركها. غير أن ما جرى داخل القاعة كشف، بطريقة أو بأخرى، عن فجوة بين لغة التقارير وواقع البحر.

في ذلك اللقاء تعاقبت الكلمات المألوفة في أدبيات التدبير العمومي، المقاربة التشاركية، الإلتقائية، الإستدامة، الإدارة المتكاملة. وهي مفاهيم تبدو متماسكة في العروض التقديمية، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا حين تُسائلها الوقائع البسيطة. من بين تلك الأسئلة التي طُرحت سؤال بديهي حول دورة حياة السردين: كم من الوقت يحتاج هذا الكائن الصغير ليبلغ مرحلة النمو التي تسمح باستغلاله دون تهديد مستقبله؟ جاء الجواب في البداية عامًا ومطمئنًا، قيل إن السردين يتكاثر على امتداد السنة. عبارة توحي بوفرة دائمة، وكأن هذا الكائن البحري لا يخضع لإيقاع الطبيعة بقدر ما يتكيف مع التقويم الإداري.
غير أن توضيحًا لاحقًا من إحدى التقنيات المشاركات في النقاش أعاد المسألة إلى منطقها البيولوجي، يحتاج السردين نحو ستة أشهر ليبلغ مرحلة اليفاعة. هذا المعطى العلمي البسيط يفتح الباب أمام سلسلة من الأسئلة المنطقية حول توقيت الراحة البيولوجية المحددة في شهري يناير وفبراير، وحول مدى انسجامها مع الدورة الطبيعية لهذا النوع البحري. فإذا كان التكاثر يمتد على مدار السنة، وإذا كان النمو يحتاج إلى زمن محدد، فإن أي سياسة للحماية ينبغي أن تنطلق أولًا من فهم دقيق لهذه الدينامية الحيوية، لا من افتراضات مريحة.
فقد كانت التقارير المعروضة خلال الاجتماع صريحة في تشخيص الوضع، حيث المخزون السمكي في تراجع، ومتوسط حجم الأسماك المصطادة ينخفض بإستمرار، وهو مؤشر علمي واضح على الضغط المفرط على المورد البحري. كما أن التركيبة العمرية للمخزون إختلت؛ فالفئات الكبيرة أصبحت أقل حضورًا، ما يعني أن الأسماك تُصاد قبل أن تبلغ مرحلة النضج الكامل. إنها الظاهرة التي يسميها علماء البحار الصيد أسفل السلسلة الغذائية، حين ينتقل الإستغلال تدريجيًا من الأنواع الكبيرة إلى الأصغر فالأصغر، إلى أن يصبح البحر نفسه عاجزًا عن تجديد موارده بالوتيرة المطلوبة.
وعلى مستوى الحلول، قدم العرض حزمة من الإجراءات التقنية التي تبدو، نظريًا، قادرة على إبطاء هذا التدهور. من بينها حماية المناطق الصخرية من الشباك الجرافة والشباك الكيسية السطحية، وحماية مناطق الحضانة والتفريخ، وتأمين ممرات الهجرة، واعتماد سياسات صيد مرنة وتكيفية، إضافة إلى تطبيق مبدأ الصيد بالتناوب، للحفاظ على التوازن الديموغرافي للمخزون. كما جرى التذكير بأهمية حماية مناطق اللجوء التي تقصدها الأسماك خلال فترات ارتفاع حرارة المياه، حين تدفعها ظاهرة صعود المياه العميقة إلى البحث عن مناطق أكثر برودة وغنى بالمغذيات.
وطرحت أيضًا فكرة التوسع نحو أعماق أكبر باعتبار البحر فضاء واسعًا يمكن أن يوفر بدائل للصيد الساحلي المرهق. غير أن هذا التوجه، على الرغم من وجاهته التقنية في بعض السياقات، لا يلغي الحاجة إلى معالجة أصل المشكلة المتمثل في الضغط المتزايد على الموارد القريبة من الساحل. وقد انتهى الإجتماع بخلاصة واضحة: الوضع مقلق، المؤشرات العلمية تدعو إلى تدخل عاجل، والحلول التقنية متوفرة. غير أن الزمن الذي تلا ذلك التاريخ ترك سؤال التنفيذ معلقًا. فمنذ الخامس من يونيو 2025 ما زالت نتائج تنزيل تلك المخرجات تنتظر أن تتحول من توصيات مدونة في محاضر اللجان إلى إجراءات ملموسة في البحر.

وتكمن المفارقة في كون السردين نفسه لا يحتاج سوى بضعة أشهر ليبلغ مرحلة اليفاعة، بينما يحتاج تدبير القطاع أحيانًا إلى سنوات ليترجم تشخيصًا واضحًا إلى قرار فعلي. وبين الزمنين تتسع مساحة القلق: فالبحر يعمل وفق قوانين الطبيعة البطيئة والدقيقة، في حين تتحرك السياسات غالبًا بإيقاع الاجتماعات والوثائق. وفي المبدان، تستمر الحياة العامة في إنتاج ما يكفي من الضجيج لصرف الإنتباه عن الأسئلة الجوهرية. تقلبات الطقس التي عطلت نشاط الصيد لأيام طويلة، واضطرابات الأسواق، والتوترات الدولية التي تلقي بظلالها على الإقتصاد العالمي، كلها أحداث تفرض نفسها على النقاش اليومي. وفي خضم ذلك قد تبدو قضية سمكة صغيرة مسألة هامشية، لكنها في الواقع تعكس اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع على إدارة موارده الطبيعية بعقلانية ومسؤولية.
فالسردين ليس مجرد سلعة غذائية أو مادة أولية لصناعة التصبير، بل هو عنصر محوري في منظومة بيئية واقتصادية معقدة تمتد آثارها إلى آلاف البحارة والعاملين في سلاسل الإنتاج والتوزيع. وأي اختلال في توازن هذا المورد سرعان ما ينعكس على الإقتصاد المحلي وعلى الأمن الغذائي وعلى استقرار مجتمعات ساحلية بأكملها. ومن هنا تبدو المفارقة أكثر وضوحًا، سمكة صغيرة استطاعت أن تكشف، بحجمها المتواضع، حجم التحدي القائم في تدبير الثروات البحرية. فهي تحتاج إلى وقت لتنمو، وإلى بيئة متوازنة لتتكاثر، وإلى سياسات حازمة تضمن ألا تتحول وفرتها الطبيعية إلى ذكرى في تقارير علمية.
ومع ذلك، ما زلنا ننتظر. ننتظر أن تستعيد الأسماك أحجامها الطبيعية، وأن تستعيد المخزونات توازنها، وأن تتحول مفردات الإستدامة والإدارة المتكاملة وحماية مناطق الحضانة من شعارات في العروض إلى ممارسات في الميدان. ننتظر أن يكبر السردين قليلًا قبل أن تلتقطه الشباك، وأن يكبر معه الوعي بأن إدارة البحر ليست تمرينًا لغويًا بل مسؤولية جماعية. فالأسماك، في النهاية، لا تقرأ التقارير ولا تحضر الإجتماعات، لكنها تدفع ثمن القرارات التي تُتخذ بإسمها. وبين إيقاع الطبيعة وإيقاع الإدارة يبقى السؤال مفتوحًا: هل نمنح البحر الوقت الذي يحتاجه ليجدد نفسه، أم نواصل اختصار دورات الحياة في صفحات العروض التقديمية؟ وإلى أن يتضح الجواب، سيظل السردين، بكل بساطته، يذكرنا بأن صبر البحر ليس بلا حدود.
*عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد
























مجلة انصاف مجلة دورية فصلية تصدرها مؤسسة وسيط المملكة، تُعنى بقضايا الوساطة الإدارية وأسس الإنصاف، وتروم تعزيز ثقافة الحكامة الجيدة في تدبير المرفق العمومي، وفتح فضاء للنقاش والتحليل حول سبل تطويره.
https://journals.imist.ma/index.php/INSAF/index
مؤسسة الوسيط آلية لإنصاف المغاربة من تصرفات الإدارة المعيبة.
احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، يوم الخميس 27 فبراير، لقاءً مفتوحاً مع الدكتور حسن طارق، وسيط المملكة، ضمن برنامج “حوار المؤسسات”، والذي تناول موضوع “الوساطة المؤسساتية: من الحماية إلى الحكامة”.
https://madar21.com/409609.html
تطرق وسيط المملكة لشق “الحماية”، مؤكداً أن المهمة الأساسية للمؤسسة تتجلى في الدفاع عن حقوق المرتفقين في علاقتهم بالإدارة، مع تدبير مسار للشكايات والتظلمات، والنظر في التصرفات المعيبة للإدارة سواء كانت تخالف القانون أو مبادئ الإنصاف، مشيراً إلى أن الوسيط يتميز عن القاضي الإداري بكونه لا يقف عند حدود “مشروعية” القرار فحسب، بل يمتد نظره إلى مدى ملاءمته لقواعد “الإنصاف”، وللمشروعية الأخلاقية والمعنوية للقرار.
https://youtu.be/L-aD98wPSbE?si=OvLJHmg7Qfz5cGw9